قال ابن جرير الطبري (20/148)مصدر غير محدد٢٠/١٤٨: «يقول تعالى ذكره: لله ملك جميع ما في السماوات وما في الأرض من الخلائق، خلقاً وملكاً وعبيداً؛ لا شريك له في شيء من ذلك، فكيف تعبدون من دونه ما هو ملكه وخلقه؟! {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ} عن خلقه وعن عبادتهم، {الْحَمِيدُ} إليهم بفضله وإحسانه المحمود في كل أفعاله وقضائه».
ونقل ابن كثير (6/343)مصدر غير محدد٦/٣٤٣: «يقرر تعالى ملكه لجميع ما في السماوات والأرض، وأنه الغني عما سواه، وكل شيء فقير إليه، وهو الحميد في جميع ما خلقه وشرعه وأمر به ونهى عنه، المحمود على كل حال».
وقال السعدي (ص 650)مصدر غير محدد٦٥٠: «دل عموم ملكه على كمال ربوبيته وغناه المطلق؛ فالأغنياء من الخلق غناهم نسبي وقاصر ومستفاد، أما الله فغناه ذاتي أزلي أبدي، وهو الحميد المسبح بحمده جميع خلقه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
الغَنِيّ: الذي لا يحتاج إلى غيره في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، ويفتقر إليه كل ما سواه افتقاراً ذاتياً في الإيجاد والإمداد.
الحَمِيد: صيغة مبالغة على وزن فعيل بمعنى المحمود، وهو الذي استحق أسمى صفات الحمد وأفعال البر والفضل والكمال.
الإعراب والوجوه النحوية:
{لِلَّهِ}: اللام حرف جر دال على الملك والاستحقاق، لفظ الجلالة مجرور باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
{مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: {مَا}: اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ مؤخر، {فِي السَّمَاوَاتِ}: صلة الموصول، {وَالْأَرْضِ}: معطوف عليه مجرور.
{إِنَّ اللَّهَ}: {إِنَّ}: حرف توكيد ونصب، {اللَّهَ}: اسمها منصوب بالفتحة.
{هُوَ}: ضمير فصل لا محل له من الإعراب، أو ضمير منفصل مبتدأ.
{الْغَنِيُّ}: خبر إن مرفوع بالضمة (أو خبر المبتدأ هو والجملة خبر إن).
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إتمام برهان الألوهية بالملك والاستغناء:
لما أقروا في الآية السابقة بأن الله هو الخالق: {لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}، أتبع ذلك ببيان مقتضى الخلق؛ وهو "الملك العام المطلق": {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}.
ثم أتبعه ببيان صفتين هما جماع الكمال الإلهي: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}، ليبين أن خلقه للملك وملكيته له لم تكن لحاجة ذاتية، بل عن غنى تام وجود وكرم يستحق عليه الحمد الدائم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة فقر الآلهة المعبودة وحاجتها لسدنة وقرابين: عبد الوثنيون القدماء والمحدثون آلهة تحتاج إلى الطعام، والبناء، والأموال، وحماية الجيوش، وزعموا أن عبادة الله تماثل تلك الحاجات.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تقرر الآية أن الله تعالى هو المالك لكل موجود؛ فكيف يحتاج المالك لما يملكه؟!
إن تقديم الجار والمجرور {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ} يفيد الحصر؛ فكل حجر وشجر وبشر وكوكب هو ملك لله وعبد مقهور تحت سلطانه، فلا يمكن لمملوك عاجز فقير أن يكون إلهاً أو شريكاً للغني الحميد.
والغنى الحقيقي لا يكون إلا لله، أما غنى البشر فمستعار ومؤقت ومصحوب بالحاجة، ومن هنا تبطل كل عبادة لغير الله عقلاً ونقلاً.
قصر الملكية الحقيقية للكون على الله تعالى قصراً مطلقاً؛ فكل ملك للبشر إنما هو استخلاف عارض ومجازي سيزول قريباً.
اقتران الوصفين {الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}:
جمع بديع بين الغنى والحمد؛ فالغني من البشر قد يكون بخيلاً أو لئيماً أو جباراً فلا يُحمد على غناه، والكريم المحمود قد يكون فقيراً عاجزاً عن العطاء، أما الله سبحانه فجمع بين كمال الغنى المطلق وكمال الحمد والجود المطلق؛ فهو غني يعطي بلا حدود، وحميد في كل منعه وعطائه.
التدبر الإشاري:
العبد الفقير إذا لاذ بالغني الحميد أغناه الله عن خلقه، ومن عرف سعة ملك الله استصغر في عينه خزائن الملوك والأمراء ولم يرجُ أحداً سوى ربه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
توجيه القلوب للتعلق بالله وحده؛ وإبراز غناه المطلق عن نصرة الناس ودينهم، فالدعوة تشريف للداعية وليست منة منه على الله.
التوجيه التربوي:
تربية النفس على التواضع وزوال الغرور بالمال والمناصب؛ فما يملكه العبد ليس ملكاً أصيلاً له، بل هو أمانة مستودعة من مالك الملك.
التوجيه العملي:
التصدق والإنفاق في سبيل الله بنفس طيبة؛ لعلم المنفق أن المال مال الله وأن الله الغني سيخلف عليه أضعافاً مضاعفة.
الوجدان الإيماني:
لذة الافتقار والانكسار بين يدي الغني الحميد؛ واستشعار عظمة الرب الذي بيده مقاليد السماوات والأرض.