قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص107)جامع البيانالطبري٢٠/١٠٧ وابن كثير (ج6/ ص338)مصدر غير محدد٦/٣٣٨: «يقول تعالى ذكره مبيناً صفات المحسنين المستحقين لهدى القرآن ورحمته: هم الذين يؤدون الصلاة المفروضة بحدودها وأوقاتها وركوعها وسجودها وخشوعها، ويؤدون الزكاة الواجبة في أموالهم إلى مستحقيها، وهم مع ذلك مصدقون بالدار الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب وحساب تصديقاً جازماً لا يخالطه شك ولا ريب».
تكرار الضمير {هُمْ... هُمْ}: {وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}؛ تأكيد على رسوخ اليقين في قلوبهم بالمعاد، وانقطاع كل شك في البعث.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يُوقِنُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ {هم}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بيان كليات الدين الثلاث (البدنية، والمالية، والقلبية):
العبادة البدنية الكبرى: إقامة الصلاة (صلة العبد بربه).
العبادة المالية الكبرى: إيتاء الزكاة (صلة العبد بالمجتمع والتكافل).
العبادة القلبية الكبرى: اليقين بالآخرة (محرك الإخلاص والرادع عن الهوى).
تقديم المتعلق {بِالْآخِرَةِ} وتكرار الضمير: لبيان أن اليقين بالآخرة هو الركيزة الكبرى التي بنيت عليها الصلاة والزكاة؛ فمن أيقن بالوقوف بين يدي الله خشع في صلاته وطابت نفسه بإخراج زكاة ماله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كفاية الأخلاق المجردة عن إقامة الصلاة والزكاة: يزعم بعض المعاصرين أن الإحسان مجرد طيبة قلب وحسن خلق مع الناس دون حاجة للفرائض التعبدية كالصلاة والزكاة.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تصحح الآية مفهوم "الإحسان" تصحيحاً حاسماً؛ فالقرآن لم يجعل الإحسان شعارات عائمة، بل عرّف المحسنين فوراً بأنهم: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}؛ فالإحسان لا يكتمل إلا بأداء حق الله في الصلاة، وحق العباد في الزكاة، والارتباط بالمعاد، فمن ضيع الصلاة وبخل بالزكاة فليس من المحسنين في ميزان الله ولو ملأ الدنيا ادعاءً للإنسانية.
صيغة المضارع في {يُقِيمُونَ... وَيُؤْتُونَ... وَيُوقِنُونَ}: تفيد التجدد والاستمرار؛ فالصلاة والزكاة واليقين دأب مستمر لا ينقطع في حياة المحسن حتى يلقى ربه.
الإشارة التدبرية: الصلاة طهارة الروح، والزكاة طهارة المال، واليقين طهارة العقل؛ فالمحسن اكتملت له الطهارات الثلاث.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المحافظة على الصلاة المفروضة بشروطها وخشوعها: استشعار أنها الرابط اليومي بالخالق العظيم.
أداء الزكاة والصدقات بنفوس راضية: جعل المال وسيلة لإسعاد الفقراء ونيل محبة الله وفضله.