أخرج ابن جرير الطبري (20/149)مصدر غير محدد٢٠/١٤٩ وابن أبي حاتم والحاكم عن عكرمة وعطاء بن يسار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «سألت يهود النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقالوا: يا محمد، تزعم أنا أوتينا الحكمة، وفي كتابك: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}، ثم تقرأ: {وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}، فكيف هذا؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها في علم الله قليل، وعندكم من ذلك ما يكفيكم، وأنزل الله: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ}».
أقوال أئمة التفسير في المعنى الإعجازي للآية:
قال الطبري (20/150)مصدر غير محدد٢٠/١٥٠: «يقول تعالى ذكره: ولو أن جميع أشجار الأرض بريت فجعلت أقلاماً يكتب بها، وجعل ماء البحر مداداً لها ومعه سبعة أبحر أخرى تمده مداداً، فكتب بتلك الأقلام وذلك المداد كلمات الله الدالة على حكمته وعلمه وأقداره وعجائب خلقه، لفنيت الأقلام ونفد ماء البحور كلها، ولم تنفد كلمات الله؛ لأن كلمات الله لا نهاية لها، وأشجار الأرض والبحار مخلوقة متناهية، والمتناهي لا يحصي ما لا نهاية له».
وقال ابن كثير (6/343)مصدر غير محدد٦/٣٤٣: «يخبر تعالى عن عظمته وكبريائه وجلاله، وعزة أسمائه وصفاته، وكلماته التامة التي لا يحيط بها أحد، ولا يعلم كنهها مخلوق... فلا نهاية لمعلومات الله وكلماته، كما قال في سورة الكهف: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا}».
وقال السعدي (ص 650)مصدر غير محدد٦٥٠: «هذا إخبار عن سعة علم الله وكلماته؛ والسبعة لم تذكر للتحديد، بل للمبالغة في الكثرة وتكثير الآحاد، فلو تضاعفت تلك الأبحر أضعافاً مضاعفة لنفدت وبقيت كلمات الله لا تنفد؛ لأن الله هو الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
أَقْلَام: جمع قلم، وهو ما يبرى ويكتب به، وأصله من القلم وهو القطع والقص.
يَمُدُّهُ: المداد: الحبر الذي يكتب به، ومد البحر: زاد فيه وصبه وجرى إليه ماء آخر يعينه ويزيده.
نَفِدَتْ: النفاد: الفناء والانتهاء والانقطاع التام حتى لا يبقى منه شيء، وفرق بين النفاد بالدال (الفناء) والنفَاذ بالذال (الاختراق والجريان).
العَزِيز الحَكِيم: العزيز: الغالب القاهر الذي لا يمتنع عليه شيء ولا يرام جنابه. الحكيم: الذي يضع كل شيء في موضعه اللائق بعلمه المحيط.
الإعراب والوجوه النحوية:
{وَلَوْ}: الواو استئنافية، {لَوْ}: حرف شرط غير جازم يفيد امتناع جوابه لامتناع شرطه.
{أَنَّمَا}: {أَنَّ}: حرف توكيد ونصب ومصدري، {مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب اسم أن.
{سَبْعَةُ أَبْحُرٍ}: {سَبْعَةُ}: فاعل مؤخر ليمده مرفوع بالضمة، {أَبْحُرٍ}: مضاف إليه مجرور، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ البحر، والجملة الاسمية في محل نصب حال.
{مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ}: {مَا}: نافية، {نَفِدَتْ}: فعل ماض مبني على الفتح، والتاء للتأنيث، {كَلِمَاتُ}: فاعل مرفوع، {اللَّهِ}: مضاف إليه مجرور، والجملة لا محل لها لأنها جواب لو.
{إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}: إن واسمها وخبراها، والجملة تعليلية مؤكدة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ذروة البرهان على العظمة الإلهية اللانهائية:
بعد أن قرر في الآيات السابقة عموم الخلق والملك والغنى والحمد، ارتقى السياق إلى استعراض أسمى مراتب الجلال؛ وهي "صفة الكلام وعلم الله اللانهائي".
هذه النقلة البيانية تخرس كل معاند يظن أن علمه أو فلسفته قد أحاطت بأسرار الكون؛ فإذا كانت أشجار الأرض كلها وبحارها السبعة تعجز عن تدوين كلمات الله، فما قيمة عقل الإنسان المحدود أمام هذا الفيض اللانهائي من العلم الإلهي؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة حصر المعرفة في النظريات البشرية والتطاول على الغيب: يدعي بعض ملاحدة العصر ومغالي النزعة العلموية أن العلم البشري الحديث قارب الإحاطة بكل قوانين الطبيعة وفك شفرات الوجود.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تصدم الآية هذا الغرور البشري بمعادلة رياضية لا تقبل النقض: المقارنة بين المتناهي واللامتناهي!
فالأشجار مهما بلغت تريليونات الأطنان، والمياه مهما بلغت ملايين الكيلومترات المكعبة، هي كميات "متناهية ومعدودة ومحدودة بكتلة وذرات".
أما علم الله وكلماته وقدرته وأسراره التكوينية والتشريعية فهي "لامتناهية"؛ وقسمة المتناهي على اللامتناهي نتيجتها صفر!
فما حازه البشر عبر آلاف السنين ليس إلا قطرة من بحر لجى لا ساحل له؛ ومن هنا ينكشف جهل كل من يتطاول بعقله القاصر على أحكام الله ووحيه.
المشهد التخييلي الكوني الأعظم في البلاغة القرآنية:
حشد مفردات الغابات الشاسعة بأغصانها وفروعها وقد تحولت إلى ألسنة وأقلام مبرية، ومحيطات الأرض وقد تدفقت حبراً أسود تمدها سبعة أبحر، وتخيل تسارع الكتابة حتى تتكسر الأقلام وتجف المحيطات وتتحول إلى صحراء قاحلة، بينما كلمات الله تنبض بالحياة والخلود دون نقص.
التنكير في {شَجَرَةٍ} مع إفرادها:
لفظ شجرة مفرد مسبوق بـ "من" الاستغراقية ليعم كل عود وغصن ونبتة على وجه الأرض كبرت أم صغرت.
التدبر الإشاري:
كلام الله وحي متجدد البركات؛ والقرآن الكريم قبس من كلمات الله اللامتناهية، ولذلك لا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، ويجد فيه كل جيل من الأسرار والعلوم ما لم يجده الجيل الذي قبله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
غرس التواضع المعرفي في الحوارات العلمية والفكرية، وتذكير المتكبرين بعلومهم بضآلة الإنسان أمام عظمة الخالق.
التوجيه التربوي:
فتح آفاق البحث والاستكشاف العلمي أمام الطلاب، مع ربط كل اكتشاف جديد بتعظيم كلمات الله وحكمته الباهرة.
التوجيه العملي:
إدامة تلاوة القرآن وتدبر آياته بقلب حي باحث عن أسراره وحكمه، والتسليم التام للنصوص الشرعية دون معارضة العقول القاصرة.
الوجدان الإيماني:
امتلاء الروح بالدهشة والخشوع والتعظيم أمام جلال الله؛ والشعور بصغر الذات وانعدامها أمام كبرياء الرب العزيز الحكيم.