قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص112)جامع البيانالطبري٢٠/١١٢ وابن كثير (ج6/ ص341)مصدر غير محدد٦/٣٤١: «يقول تعالى ذكره واصفاً حال هذا المفتون بلهو الحديث والمستكبر عن الهدى: وإذا قُرئت عليه آيات القرآن العظيم وحججه الباهرة، أعرض عنها وأدبر متكبراً تائهاً في غيه، كأنه لم يسمع منها حرفاً، وكأن في أذنيه صمماً وثقلاً يمنعه من السماع؛ فهو يتعامى ويتصامم تكبراً وعناداً، فبشره يا محمد بعذاب موجع يوجع قلبه وبدنه في نار جهنم».
تفسير «الوقر»: الوقر هو الثقل والصمم العظيم في الأذن المانع من نفوذ الأصوات.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«وَلَّىٰ»: أدبر وأعرض وأعطى ظهره منصرفاً في نفور وكراهية.
«مُسْتَكْبِرًا»: الاستكبار طلب الكبر والتعالي الزائف على الحق والتكبر على الداعي.
«وَقْرًا»: صمماً وثقلاً وحاجزاً مانعاً من السمع.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَإِذَا}: الواو عاطفة، إذا ظرفية شرطية.
{تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا}: فعل مضارع مبني للمجهول، وعليه جار ومجرور، وآياتنا نائب فاعل مرفوع بالضمة ونا مضاف إليه، والجملة مضاف إليه لـ {إذا}.
{وَلَّىٰ}: فعل ماض مبني على فتح مقدر، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة جواب الشرط لا محل لها.
{مُسْتَكْبِرًا}: حال منصوبة بالفتحة الظاهرة من فاعل ولى.
{كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا}: كأن مخففة من الثقيلة واسمها محذوف (أي كأنه)، لم حرف جزم، يسمعها مضارع مجزوم والفاعل مستتر والهاء مفعول به، والجملة خبر كأن، وجملة كأن في محل نصب حال ثانية.
{كَأَنَّ}: حرف تشبيه ونصب من أخوات إن.
{فِي أُذُنَيْهِ}: جار ومجرور شبه جملة خبر كأن مقدم، وعلامة الجر الياء لأنه مثنى، والهاء مضاف إليه.
{وَقْرًا}: اسم كأن مؤخر منصوب بالفتحة الظاهرة، والجملة بدل أو حال ثالثة مؤكدة.
{فَبَشِّرْهُ}: الفاء رابطة لجواب شرط مقدر، بشره فعل أمر والفاعل مستتر والهاء مفعول به.
{بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}: جار ومجرور ونعت مجرور بالكسرة متعلقان بـ {بشره}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البراعة التصويرية في رسم هيئة المستكبر الحركية والنفسية: رسم النظم القرآني مشهداً كاريكاتيرياً فاضحاً لنفسية المكذب؛ يبدأ بحركة جسدية نافرة: {وَلَّىٰ مُسْتَكْبِرًا}، يعقبها تظاهر بالصمم والتغافل: {كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا}، ثم توكيد هذا الصمم المصطنع بتشبيه تمثيلي حسي: {كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا}؛ ليكشف عورة كبريائه وعجزه عن مواجهة الحجة بالحجة، فلا يملك إلا الهروب والتصامم.
التهكم التهكمي البليغ في قوله {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}: استعمل لفظ «البشارة» (وهي في الأصل الإخبار بما يسر ويفرح ويظهر أثره على بشرة الوجه) في موضع الإخبار بالعذاب الأليم والنكال؛ تهكماً به وإمعاناً في تحقيره وتبكيته؛ كأنه يقول: هذا هو المتاع "السار" الذي ينتظرك جزاء استكبارك ولهوك!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التعالي النفسي عند أصحاب الثروات والشهوات: يستشعر بعض المغرورين بثرائهم ومكانتهم أن الاستماع للقرآن والانقياد للمواعظ نوع من المذلة والضعف.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تفضح الآية حقيقة هذا "الاستكبار" بأنه ليس قوة بل هو جبن وهروب؛ فالذي يهرب من سماع الحق ويتصامم عنه إنما يهرب لأنه يعلم في دخيلة نفسه أن الحق سيهدم خرافاته وأكاذيبه، فهو كمن يغمض عينيه في رابعة النهار ويدعي أن الشمس غير موجودة! فكان الجزاء العادل لهذا الكبر الأجوف هو عذاب أليم يكسر جبروته ويذيقه الهوان.
التشبيه المزدوج للتهويل: كرر التشبيه بـ {كَأَن} مرتين: مرة بنفي السماع، ومرة بوجود الوقر؛ للدلالة على استغراق الإعراض واستحكام المانع في نفسه.
الإشارة التدبرية: من تكبر على سماع آيات الله في الدنيا وهو صحيح السمع، عاقبه الله بالصمم الحقيقي والحرمان من سماع كل خير في الآخرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر الشديد من الاستكبار عن سماع الموعظة: أن يفتح المسلم أذنيه وقلبه لكل ناصح يذكره بآيات الله، ويحذر من الإعراض والتأفف؛ فإن الكبر بطر الحق وغمط الناس.
الصبر على إعراض المعاندين: الداعية يتوقع الإعراض والصد من بعض المستكبرين، فلا يفت ذلك في عضده، بل يكل أمرهم إلى الله المنصف العادل.