قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص114)جامع البيانالطبري٢٠/١١٤ وابن كثير (ج6/ ص341)مصدر غير محدد٦/٣٤١: «يقول تعالى ذكره: ماكثين في جنات النعيم مقيمين فيها إقامة أبدية لا يخرجون منها ولا يبغون عنها حولاً ولا يموتون ولا يهرمون، وعدهم الله ذلك وعداً حقاً لا خلف فيه ولا كذب؛ وهو العزيز الذي لا يقدر أحد على منعه من إنجاز وعده، الحكيم في تدبيره وأفعاله وقسمة ثوابه وعقابه».
حديث ذبح الموت:
أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة! فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه. ثم ينادي: يا أهل النار! فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، فيُذبح بين الجنة والنار، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت!».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«خَالِدِينَ»: الخلود هو البقاء الدائم والدوام المستمر الذي لا نهاية له ولا زوال.
{خَالِدِينَ}: حال منصوبة بالياء لأنه جمع مذكر سالم من الضمير المجرور في {لهم}.
{فِيهَا}: جار ومجرور متعلقان بـ {خالدين}.
{وَعْدَ}: مفعول مطلق منصوب لفعل محذوف تقديره: "وعدهم الله وعداً".
{اللَّهِ}: مضاف إليه مجرور للتعظيم.
{حَقًّا}: مفعول مطلق ثانٍ مؤكد لنفسه أو نعت لمصدر محذوف (أي وعداً حقاً)، أو حال منصوبة.
{وَهُوَ}: الواو استئنافية، هو ضمير منفصل مبتدأ.
{الْعَزِيزُ}: خبر أول مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الْحَكِيمُ}: خبر ثانٍ مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إتمام النعمة بذكر الخلود: نعيم الدنيا مهما عظم فإنه منغص بأمرين: الخوف من زواله، أو الموت الذي يقطع التمتع به؛ فلما كان نعيم الجنة لا نظير له، تمم الله فرحة أهله بإعلان "الخلود": {خَالِدِينَ فِيهَا}، فزال كل خوف وطابت النفوس بالأبدية.
التعقيب بـ {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}: هذا الختام القرآني المحكم يبرهن على تمام الوعد؛ فـ «العزيز» الذي لا يغلبه غالب يملك القدرة المطلقة على إبقاء النعيم وتخليده، و«الحكيم» يضع العطاء والخلود في موضعه المستحق لأهل الإيمان والإحسان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة فناء النعيم أو ملل النفوس من الخلود: يزعم بعض الفلاسفة الماديين أن الخلود الأبدي يورث الملل والسأم للروح البشرية.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
هذا قياس فاسد يقيس نعيم الجنة المتجدد على ملذات الدنيا الناقصة المكررة؛ فنعيم الجنة لا ملل فيه ولا سأم؛ لأن الله تعالى يجدد لأهلها في كل لحظة ألواناً جديدة من اللذة والحبور والجمال والرضوان لم تخطر على قلب بشر، كما قال تعالى: {لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا}؛ فنفوسهم تطلب دوام البقاء لعظم ما يتجدد لهم من المسرات في كنف العزيز الحكيم.
التأكيد المزدوج بالمصدر {وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا}: تأكيد فوق تأكيد يسكب السكينة والطمأنينة المطلقة في قلب المؤمن بأن جنات النعيم حقيقة ثابتة لا يخلف الله ميعادها.
الإشارة التدبرية: إذا تذكر المؤمن أن متاعب الطاعة في الدنيا هي أيام قلائل يعقبها خلود لا ينتهي في النعيم، هانت عليه كل المشاق وصغرت في عينه كل تضحية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين الجازم بالمعاد: بناء حياة المسلم على بوصلة الآخرة؛ فيعمل للدار الخالدة ولا يغتر بالمتاع الزائل.
التعلق بأسماء الله الحسنى: استحضار عزة الله وحكمته في كل وعد ووعيد؛ مما يورث التعظيم لله والرجاء في فضله.