أجمع المفسرون، ومنهم الطبري (20/134)مصدر غير محدد٢٠/١٣٤ وابن كثير (6/336)مصدر غير محدد٦/٣٣٦ والقرطبي (14/64)مصدر غير محدد١٤/٦٤، على أن هذه الآية والتي تليها جملتان معترضتان من كلام الله تعالى في أثناء سياق وصايا لقمان لابنه؛ لتأكيد حق الوالدين بعد حق الله تعالى مباشرة، وبيان أن ما أوصى به لقمان يتطابق تماماً مع وصية الله الكونية والشرعية لجميع بني آدم.
تفسير الأثر لقوله {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ}:
قال مجاهد: «ضعفاً على ضعف؛ من مشقة الحمل وثقله وتغير الصحة والطلق».
وعن قتادة: «جهداً على جهد؛ تزداد كلما كبر الولد في بطنها ضعفاً إلى ضعفها الأول».
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ينفخ فيه الروح، فتزداد ثقلاً وضعفاً، ثم يشتد الضعف عند المخاض والولادة».
تفسير {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ}:
الفصال: الفطام عن الرضاع، كما في البقرة: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}.
واستنبط علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس من ضم هذه الآية إلى آية الأحقاف: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} أن أقل مدة الحمل ستة أشهر (30 شهراً ناقص 24 شهراً للحولين = 6 أشهر).
تفسير {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ}:
قال سفيان بن عيينة: «من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات فقد شكرهما».
وأخرج الشيخان (البخاري رقم 5971، ومسلم رقم 2548) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أُمُّكَ»، قال: ثم من؟ قال: «ثُمَّ أُمُّكَ»، قال: ثم من؟ قال: «ثُمَّ أُمُّكَ»، قال: ثم من؟ قال: «ثُمَّ أَبُوكَ»؛ ولذلك خصت الآية متاعب الأم بالذكر دون الأب لعظيم مشقتها وانفرادها بأعباء الحمل والوضع والفصال.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
الوَهْن: الضعف والفتور والجهد الذي يحل بالبدن أو العزيمة.
الفصال: الفطام، من الفصل وهو القطع والمباعدة بين الصبي وثدي أمه وتناول الطعام بدلاً من اللبن.
المصير: المرجع والمنقلب النهائي للحساب والجزاء.
الإعراب والوجوه النحوية:
{وَوَصَّيْنَا}: الواو استئنافية، {وَصَّيْنَا}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا الفاعلين، و(نا) فاعل.
{الْإِنسَانَ}: مفعول به أول منصوب بالفتحة الظاهرة.
{بِوَالِدَيْهِ}: الباء حرف جر، {وَالِدَيْهِ}: اسم مجرور بالياء لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء ضمير متصل في محل جر مضاف إليه، والجار والمجرور متعلقان بوصينا.
{حَمَلَتْهُ أُمُّهُ}: جملة فعلية مستأنفة مسوقة لتعليل الوصية أو حالية، {حَمَلَتْ}: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به، {أُمُّهُ}: فاعل مرفوع بالضمة، والهاء مضاف إليه.
{وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ}: {وَهْنًا}: مصدر في موضع الحال (أي ذات وهن، أو واهنة وهناً)، أو مفعول مطلق لفعل مقدر (أي تهن وهناً)، {عَلَىٰ وَهْنٍ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لـ "وهناً".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سر الاعتراض بآية بر الوالدين بين وصايا لقمان:
لما حذر لقمان ابنه من الشرك بالله: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ}، قرن الله تعالى ذلك ببيان حق الوالدين المعظم؛ إذ كان الأبوان هما السبب الظاهر في إيجاد الولد وتربيته، كما أن الله هو الخالق الحقيقي المنعم بالوجود والحياة؛ فقرن سبحانه حقهما بحقه في التوحيد كما في قوله: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}.
وفيه توجيه للابن السامع لوصايا أبيه بأن يمتثل نصحه ويقدر إحسانه ويخضع له بالبر والوفاء.
التدرج البياني من الحمل إلى الفصال:
رتبت الآية مراحل التضحية الوالدية ترتيباً تصاعدياً: الحمل وما يرافقه من تراكم الضعف شهراً بعد شهر، ثم مخاض الولادة وشدتها، ثم الفصال عبر سنتين كاملتين من الرضاعة والسهر والحرمان من الراحة؛ لاستثارة كوامن الوفاء والشكر في نفس الابن.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة العقوق الفردي والتحلل من قيود الوالدين في الفلسفة المادية: تروج المادية الحديثة لفكرة أن الوالدين إنما أنجبا الولد لشهوة ذاتية وغريزة بيولوجية، فلا يترتب على ذلك أي التزام أخلاقي أو دَين روحي على الابن بعد استقلاله المادي.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تلفت الآية العقل الإنساني إلى معالم الواقع الحسي الصرف الذي لا يقبل المزايدة؛ فالأم لم تقدم مجرد نطفة بيولوجية، بل بذلت لحمها ودمها وعظامها في وهن متراكم مستمر تسعة أشهر، ثم سهرت ليلها وأفنَت صحتها عامين كاملين في الرضاعة والحضانة والخدمة التي لو قُوّمت بأجر مادي لعجز الولد عن سداده طيلة عمره.
إن التنكر لهذا الجهد المضني هو عين السقوط الأخلاقي وانتكاس المروءة الإنسانية؛ والعقل الذي لا يرى وجوب شكر الوالدين المحسنين هو عقل متبلد وفاسد لا يؤتمن على أي عقد اجتماعي أو التزام خلقي في الأرض.