أخرج البخاري في صحيحه (رقم 32)مصدر غير محددحديث رقم ٣٢ ومسلم في صحيحه (رقم 124)مصدر غير محددحديث رقم ١٢٤ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: «أينا لم يظلم نفسه؟!»، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}».
أقوال أئمة التفسير بالأثر:
قال الطبري (20/133)مصدر غير محدد٢٠/١٣٣: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد: واذكر يا محمد إذ قال لقمان لابنه، وكان ابنه كافراً فوعظه يدعوه إلى الإسلام: يا بني لا تجعل مع الله شريكاً تعبده دونه، فإن إشراكك به ظلم عظيم لنفسك، وظلم للحق حيث سويت بين الخالق والمخلوق».
وقال ابن كثير (6/335)مصدر غير محدد٦/٣٣٥: «أول ما وصى به لقمان ابنه هو عبادة الله وحده لا شريك له، ثم علل ذلك بكون الشرك أعظم الظلم؛ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، فمن سوى بين المخلوق الناقص والرب الخالق المنعم بكل نعمة فقد وضع العبادة في أعظم مواضع الجور والسفه».
وقال السعدي (ص 648)مصدر غير محدد٦٤٨: «بدأ بالنهي عن الشرك الذي هو أكبر الذنوب وأقبح العيوب، ورتب عليه الوعظ المقرون بالدليل العقلي والوجلي: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
يا بُنَيّ: تصغير "ابن"، وتصغيره هنا للتصغير اللطيف الدال على الحنان والشفقة والرحمة (تصغير تحبب وترقيق)، وليس تصغير تحقير.
الظلم: لغةً: وضع الشيء في غير موضعه المخصوص به، وأصله النقص ومجاوزة الحد، ومنه قوله تعالى: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً}.
الإعراب والوجوه النحوية:
{وَإِذْ}: الواو عاطفة أو استئنافية، {إِذْ}: ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره "اذكر".
{قَالَ لُقْمَانُ}: فعل ماض مبني على الفتح، ولقمان فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{لِابْنِهِ}: اللام حرف جر، و(ابن) اسم مجرور، والهاء ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
{وَهُوَ يَعِظُهُ}: الواو حالية، {هُوَ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ، {يَعِظُهُ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية {وَهُوَ يَعِظُهُ} في محل نصب حال من لقمان.
{يَا بُنَيَّ}: {يَا}: أداة نداء، {بُنَيَّ}: منادى مضاف منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة ياء الإضافة المشددة، وقيل مبني على الفتح.
{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}: {إِنَّ}: حرف توكيد ونصب، {الشِّرْكَ}: اسمها منصوب، اللام هي المزحلقة للتوكيد، {ظُلْمٌ}: خبر إن مرفوع بالضمة، {عَظِيمٌ}: نعت مرفوع، والجملة الاسمية تعليلية لا محل لها من الإعراب لمضمون النهي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الوصية في سياق السورة:
بعد أن قرر الله الحكمة في الآية السابقة وأن شكر الله هو قوامها، جاءت هذه الآية لتكشف تفاصيل ومضامين هذه الحكمة العملية؛ فأول خطوة في تربية الأبناء وبناء الشخصية الراشدة هي تصحيح العقيدة وتطهيرها من شوائب الشرك؛ إذ لا قيمة لأي أدب أو خلق أو علم دنيوي إذا كان العبد مشركاً بخالقه.
النكتة البلاغية في الجملة الحالية {وَهُوَ يَعِظُهُ}:
تقييد القول بالوعظ يبين أن التوجيه العقدي لم يكن بلهجة القهر والتعنيف الفج، وإنما بأسلوب الموعظة الممتزجة بالشفقة والخوف على مصير الولد، مما يفتح مغاليق القلوب لقبول النصيحة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تسوية الشرك بالذنوب الأخلاقية الفردية واعتباره حرية اعتقاد: تزعم التيارات الفلسفية المعاصرة والليبرالية أن الإشراك بالله مسألة شخصية لا يجوز وصفها بأنها "ظلم"، إذ الظلم عندهم يقتصر على الاعتداء على حقوق البشر المادية.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
الرد القرآني الصارم يقرر أن الشرك هو "أعظم الظلم" على الإطلاق؛ لأن جوهر الظلم هو الاعتداء على الحقوق ووضع الشيء في غير موضعه.
فأي ظلم أعظم في ميزان العقل والإنصاف من أن يكون الله هو الذي خلق العبد من العدم، ورزقه السمع والبصر والوسائل الحياتية، وأفاض عليه النعم، ثم يذهب هذا المخلوق التافه فيصرف شكره وعبادته وخضوعه لجماد عاجز أو لبشر مخلوق مثله لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً؟!
إن سلب الخالق حقه الأعظم في الربوبية والألوهية، وجعل التراب نداً لرب الأرباب، هو غاية الانتكاس العقلي وأفحش الجور الأخلاقي الذي تسقط معه كل معايير العدالة الإنسانية المزعومة.
إيقاظ عاطفة الأبوة والمحبة؛ فالابن حين يستشعر حرص والده وشفقتـه وتلطفه، تنكسر لديه حواجز العناد والمكابرة.
المؤكدات الثلاثة في قوله {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}:
تأكيد الجملة بـ "إنّ"، واللام المزحلقة "لظلم"، ووصف الظلم بـ "عظيم" بصيغة التنوين التعظيمي التفخيمي؛ لترسيخ خطورة هذا الذنب في نفس المخاطب وسائر السامعين.
التدبر الإشاري:
الأولوية المطلقة في التربية الإسلامية هي غرس التوحيد الخالص؛ فكل مشروع تربوي يقدم الآداب السلوكية أو التفوق الدراسي والرياضي ويهمل التأسيس العقدي وتطهير القلب من الشرك وألوان العبودية للمادة والشهوات، فهو بناء على شفا جرف هار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
فقه الأولويات في الدعوة إلى الله؛ البدء بالأهم فالأهم، كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً حين بعثه إلى اليمن: «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى».
التوجيه التربوي:
تعليم الأبناء أسرار العقيدة والتعليل المقنع للأوامر والنواهي؛ فلقمان لم يقل لابنه "لا تشرك" ويسكت، بل بيّن العلة العقلية: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}، لتبنى القناعة على البرهان لا على مجرد التبعية العمياء.
التوجيه العملي:
مراجعة النفس ومحاسبتها من الشرك الأصغر (كالرياء والسمعة، وحلف بغير الله، والتعلق بالأسباب دون مسببها)، ووقاية البيوت والأسرة من مصائد الفكر الإلحادي والشركي المعاصر.
الوجدان الإيماني:
تعظيم الله في القلب واستشعار كبريائه وعظمته، واقشعرار الجلد والروح من شناعة الإشراك به سبحانه وتعالى.