أجمع المفسرون على أن سياق وصايا لقمان الحكيم لابنه يعود في هذه الآية بعد الاستطراد الإلهي في الآيتين السابقتين.
قال الطبري (20/137)مصدر غير محدد٢٠/١٣٧: «هذا من قيل لقمان لابنه؛ يقول: يا بني إن الخطيئة أو الحسنة إن تك زنة حبة من خردل في الصغر، فتكن في بطن صخرة صماء ملساء، أو في أطراف السماوات أو في جوف الأرض، يأتي بها الله يوم القيامة حتى يضعها في الميزان ويحاسب العبد عليها».
وقال ابن كثير (6/337)مصدر غير محدد٦/٣٣٧: «هذه وصية نافعة جداً حكاها الله تعالى عن لقمان ليتأسى بها الناس؛ وهي أن المظلمة أو الإساءة والعمل لو كانت في غاية القلة والصغر كمثقال حبة خردل، وكانت محصنة متوارية في جوف صخرة صماء، أو تائهة في أرجاء السماوات السبع أو طبقات الأرضين، فإن الله يأتي بها؛ لأنه لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء».
تفسير الاسمين الجليلين {لَطِيفٌ خَبِيرٌ} بالأثر:
قال قتادة والسعدي: «اللطيف: الذي لطف علمه وخبرته حتى أدرك أدق الأشياء وخفايا الصدور ودقائق الذرات، ولطف بعباده في تدبير أمورهم من حيث لا يشعرون. والخبير: الذي أحاط علمه ببواطن الأمور وخفاياها كإحاطته بظواهرها».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
مثقال: زنة الشيء ومقداره الذي يوزن به، مأخوذ من الثقل.
الخردل: نبات عشبي معروف في المعاجم له حب صغير أسود يضرب به المثل في غاية الصغر والضآلة والوزن الخفيف.
اللطيف: في اللغة: ذو اللطف والرفق، ومن بلغ علمه ونفاذه إلى أدق الدقائق التي تقصر عنها الحواس.
الإعراب والوجوه النحوية:
{يَا بُنَيَّ}: يا أداة نداء، بني منادى مضاف كما سبق.
{إِنَّهَا}: {إِنَّ}: حرف توكيد ونصب، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب اسمها، وهو ضمير القصة والشأن، أو عائد إلى الخطيئة أو الفعلة والحسنة المدلول عليها بالسياق.
{إِن تَكُ}: {إِنْ}: حرف شرط جازم، {تَكُ}: فعل مضارع ناقص مجزوم بإن وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، واسمها مستتر تقديره هي (أي الخصلة أو الفعلة).
{يَأْتِ بِهَا اللَّهُ}: {يَأْتِ}: فعل مضارع مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة (الياء)، وهو جواب الشرط، {بِهَا}: جار ومجرور متعلقان بيأت، {اللَّهُ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
{إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ}: جملة توكيدية تعليلية، إن واسمها وخبرها وخبرها الثاني.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سر انتقال لقمان من النهي عن الشرك إلى مراقبة الله التامة:
بعد أن رسخ لقمان في نفس ابنه النهي عن الشرك وأسس قاعدة التوحيد، انتقل مباشرة إلى غرس "المحرك الباطني" للسلوك البشري، وهو "عقيدة المراقبة الإلهية والمحاسبة على دقائق الأعمال".
فالإنسان قد يترك الشرك الظاهر، لكنه قد يقع في المعاصي في السر والخفاء ظناً أن عيون الناس لا تراه؛ فجاء هذا المشهد الحسي المبهر ليجعل وجدان العبد معلقاً بعلم الله المحيط الذي لا يفوته شيء في أرجاء الكون الواسع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التلاشي والعدم بعد الموت واستحالة جمع الذرات المتناثرة: يطرح الفكر المادي القديم والمعاصر شبهة: كيف يمكن إعادة بعث الإنسان إذا أكلته الأرض وتناثرت ذراته وتبخرت في الهواء أو تحللت في قيعان البحار؟
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تقدم الآية برهاناً عقلياً استباقياً يبهر الألباب؛ فالذي يحيط بحبة خردل واحدة لا تكاد تراها العين، محصنة في باطن صخرة ملساء في لجج الظلمات أو تائهة بين مجرات السماوات أو في طيات الأرض السحيقة، فيأتي بها علماً وقدرة وإحضاراً إلى ساحة الحساب، قادر ببديهة العقل الرياضي والمنطقي على جمع ذرات الأجساد البشرية مهما تفرقت وتلاشت.
إن عجز علم الإنسان ومعداته عن تتبع الذرات لا يقاس عليه كمال علم الخالق اللطيف الخبير؛ فالقوة الخالقة للكون تتصرف فيه تصرف المالك المحيط بكل حركة وسكون.
ضرب المثل بـ {حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ} لما استقر في الأذهان من تناهيها في الصغر والخفة، واختيار {صَخْرَةٍ} صماء مقفلة يقطع كل طمع في وصول أحد إليها أو استخراجها بالوسائل المعتادة.
حذف النون في {إِن تَكُ}:
إشارة بديعة بالتخفيف اللفظي على التخفيف المعنوي؛ فالشيء متناهٍ في الضآلة حتى إن حركته لا تكاد تحس، فناسبه الحذف والتخفيف.
التدبر الإشاري:
هذه الآية هي مدرسة "الإحسان" النبوي: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»؛ إذا تيقن القلب بهذه الآية استوت عنده خلوته وجلوته، واستحيا من أن ينظر الله إلى قلبه فيرى فيه ما يكره.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
تربية الناس على مراقبة الله الذاتية، وإيقاظ الضمير الديني الذي يغني عن مئات القوانين وكاميرات المراقبة الأرضية التي يمكن التملص منها.
التوجيه التربوي:
زرع مهابة الله في قلوب الأطفال والشباب منذ نعومة أظفارهم؛ وتعليمهم أن الله يرى قطرة الدموع الخفية، ونيات الصدور، وسجدة السحر، كما يرى خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
التوجيه العملي:
الحذر من محقرات الذنوب؛ فإنها تجتمع على الرجل حتى تهلكه كما جاء في الحديث، وعدم احتقار أي عمل صالح مهما قل، فرب تبسم في وجه مؤمن أو إماطة أذى عن طريق تدخله الجنة.
الوجدان الإيماني:
الطمأنينة التامة لحفظ الله وعدله؛ فالمظلوم يستيقن أن مظلمته لن تضيع، والمحسن يعلم أن جهده الخالص مكتوب محفوظ عند اللطيف الخبير.