قال ابن جرير الطبري (20/155)مصدر غير محدد٢٠/١٥٥: «يقول تعالى ذكره: وإذا غشي هؤلاء المشركين في البحر موج كالسحاب والظلال العظيمة من الجبال لكثرته وعظمه وارتفاعه، أخلَصوا الدعاء لله وحده وتركوا آلهتهم وأوثانهم، لعلمهم ويقينهم أنه لا يقدر على نجاتهم في تلك الشدة المهولة إلا الله وحده، فلما استجاب لهم ونجاهم إلى البر فمنهم مقتصد موفٍ بما عاهد الله عليه في البحر من الإخلاص والإيمان، وقيل: مقتصد أي متوسط كافر بالنعمة ولكنه أخف كفراً من غيره، والأول أصح عند المحققين».
ونقل ابن كثير (6/346)مصدر غير محدد٦/٣٤٦: «الموج كالظلل؛ أي كالجبال والسحاب الركامية المظللة، فيجأرون إلى الله بالتضرع والتوحيد، كما قال في الإسراء: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ}، وهنا قال: {فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ} أي متبع للحق متمسك بعهده؛ وقيل مقتصد في كفره، {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ}».
قصة إسلام عكرمة بن أبي جهل بالأثر الصحيح الشاهد للآية:
أخرج النسائي في سننه (رقم 4067)مصدر غير محددحديث رقم ٤٠٦٧صحيح والحاكم بسند صحيح عن عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه أنه لما فُتحت مكة هرب وركب البحر، فأصابتهم عاصفة ولجّت بهم السفينة، فقال أصحاب السفينة: «أَخْلِصُوا؛ فَإِنَّ آلِهَتَكُمْ لَا تُغْنِي عَنْكُمْ هَاهُنَا شَيْئاً»، فقال عكرمة في نفسه: «والله لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص فما ينجيني في البر غيره! اللهم إن لك عليّ عهداً إن أنت أنجيتني مما أنا فيه أن آتي محمداً صلى الله عليه وسلم حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفواً كريماً»، فجاء وأسلم وحسن إسلامه وكان من أبطال المسلمين.
تفسير الخَتَّار الكَفُور بالأثر:
قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة: «الخَتَّار: الغدّار الذي ينقض العهد، والختْر هو أشد الغدر وأقبحه. والكفور: الجحود لنعم الله الجاحد لآلائه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
غَشِيَهُم: غطّاهم وأحاط بهم وسترهم من فوقهم كالغاشية.
الظُّلَل: جمع ظُلّة، وهي كل ما أظلك وسترك من سحاب أو جبل أو بناء مرتفع.
مُّقْتَصِدٌ: من القصد، وهو السالك طريق الاعتدال والتوسط الموفي بعهده الثابت على الإيمان والتوحيد.
خَتَّارٍ: صيغة مبالغة على وزن فَعَّال من الخَتْر، والختر في لغة العرب هو أقبح الغدر والخيانة ونكث العهود المؤكدة بعد إبرامها؛ يقال: فلان ختَرَ عهده إذا نقضه بأبشع خيانة.
الإعراب والوجوه النحوية:
{وَإِذَا}: الواو عاطفة، إذا ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
{غَشِيَهُم}: فعل ماض مبني على الفتح، وهم ضمير متصل في محل نصب مفعول به مقدم.
{مَوْجٌ}: فاعل مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والجملة في محل جر بالإضافة لإذا.
{كَالظُّلَلِ}: الكاف حرف جر، الظلل اسم مجرور، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف نعت لموج.
{دَعَوُا اللَّهَ}: فعل ماض مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة، والواو فاعل، ولفظ الجلالة مفعول به، والجملة لا محل لها جواب شرط غير جازم.
{مُخْلِصِينَ}: حال منصوبة بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
{لَهُ}: جار ومجرور متعلقان بمخلصين.
{الدِّينَ}: مفعول به لاسم الفاعل مخلصين منصوب بالفتحة.
{فَلَمَّا نَجَّاهُمْ}: الفاء عاطفة، لما رابطة شرطية أو ظرفية، نجاهم فعل ماض ومفعول به والفاعل مستتر، والجملة في محل جر بإضافتها للمّا.
{إِلَى الْبَرِّ}: جار ومجرور متعلقان بنجاهم.
{فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ}: الفاء واقعة في جواب لما، {مِنْهُم}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، {مُّقْتَصِدٌ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة، وجملة الجواب لا محل لها.
{وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا}: الواو استئنافية، ما نافية، يجحد مضارع مرفوع، وبآياتنا جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بيجحد.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء ملغاة.
{كُلُّ}: فاعل مؤخر ليجحد مرفوع بالضمة الظاهرة.
{خَتَّارٍ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة.
{كَفُورٍ}: نعت لختار مجرور بالكسرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فضح التناقض النفسي للمشرك بين ساعات الرخاء وساعات الشدة:
لما بين تسخير السفن في الآية السابقة، صور هنا لحظة حرجة من أشد لحظات المواجهة مع الموت؛ حين يغشى الموج السفينة فيتحول المشرك الجاحد فجأة إلى موحد مخلص ينسى أصنامه ويهتف باسم الله وحده.
فإذا نجا إلى شاطئ السلامة غدر ونكث عهده وعاد إلى كفره وجحوده؛ فبين السياق أن هذا السلوك إنما يصدر عن أسوأ نماذج الانحطاط الأخلاقي: "الغدر الشديد المقرون بالكفر الشديد" {خَتَّارٍ كَفُورٍ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة أن التوحيد فكرة كهنوتية تخالف طبيعة الإنسان: يزعم الملاحدة أن الإنسان بفطرته لا ديني، وأن الدين إنما نشأ عن الخوف والجهل بالقوانين الطبيعية وسيزول بزوال الجهل.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تثبت الآية أن "الفطرة التوحيدية" هي العمق الحقيقي الراسخ في باطن كل إنسان، وأن الإلحاد والشرك قشرة زائفة تتلاشى حتماً عند سقوط الأقنعة وسكرات الموت أو لحظات الخطر المحدق.
فالملحد الذي يسخر من الدين في رخائه ومقاهيه، إذا أشرفت به الطائرة على السقوط أو أحاطت به أمواج الموت كالجبال، يجأر قلبه لا شعورياً إلى قوة عليا غيبية لإنقاذه؛ لأن شجرة الفطرة مغروسة في أصل التكوين البشري.
ونكوصه بعد النجاة ليس دليلاً على عدم وجود الخالق، بل دليل على خسته الأخلاقية وغدره بعهده الذي قطعه على نفسه ساعة البأس: {كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ}.
تشبيه الأمواج العاتية بالسحب الكثيفة المظلمة أو الجبال الشاهقة التي تلقي بظلالها المخيفة فتحجب ضوء السماء وتحبس الأنفاس.
صيغتا المبالغة الشديدتان {خَتَّارٍ كَفُورٍ}:
اختيار لفظ "الخَتّار" دون الغادر؛ لأن الختر هو الغدر المقرون بالمكر وإظهار المودة ثم الطعن في الظهر، فالكافر يظهر الإخلاص والتذلل لله في البحر، فلما يلمس البر يطعن في توحيد الله ويجحد فضله!
التدبر الإشاري:
احذر أن تكون "عابد أزمات"؛ تخلص لله في المرض والفقر والمحن، فإذا عافاك ورزقك نسيت فضله وأقبلت على المعاصي، فإن من علامات الإيمان الصادق الوفاء بالعهد في الرخاء كما في الشدة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
استثمار لحظات الابتلاء والانكسار في دعوة الناس؛ فإن القلوب تكون ألين وأقرب للحق في أوقات الشدائد، مع تعليمهم الاستقامة بعد انكشاف الكربة.
التوجيه التربوي:
تربية الأبناء على الوفاء بالنذور والعهود، والتحذير من صفة الغدر والخيانة ونكران الجميل مع الله ومع الخلق.
التوجيه العملي:
شكر الله الدائم على النجاة من الحوادث والأمراض والأسفار، وترجمة الشكر إلى صدقات وطاعات مستمرة لا تزول بزوال الأزمة.
الوجدان الإيماني:
الحياء الشديد من الله الوفي الكريم؛ والرهبة من أن يكون العبد من أهل الختر والكفران، والحرص على أن يكون من أهل الاقتصاد والاستقامة والوفاء.