أخرج الإمام مسلم في صحيحه (رقم 1748)مصدر غير محددحديث رقم ١٧٤٨ والترمذي (رقم 3189)مصدر غير محددحديث رقم ٣١٨٩ عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: نزلت فيّ أربع آيات، فذكر قصة إسلامه، وكانت أمه حمنة بنت سفيان حلفت ألا تأكل طعاماً ولا تشرب شراباً ولا تستظل حتى يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقالت له: «زعمت أن الله أمرك بوالديك، وأنا أمك وأنا آمرك بهذا»، فمكثت ثلاثة أيام حتى غشي عليها من الجهد والظمأ، فقام ابنها عمارة فسقاها، فجعلت تدعو على سعد، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}.
أقوال السلف في تفسير المعنى:
قال الطبري (20/135)مصدر غير محدد٢٠/١٣٥: «يقول تعالى: وإن بذل والداك جهدهما ليحملاك على أن تشرك بي ما لا تعلم له شريكاً، فلا تطعهما في معصية الله والإشراك به؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولكن مع ذلك لا تقطع برهما في الدنيا، بل صاحبهما فيها معروفاً بالصلة والرفق وحسن المعاشرة فيما لا يغضب الله».
وروى الشيخان (البخاري رقم 2620، ومسلم رقم 1003) عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: «قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدُوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ رَاغِبَةٌ (أي طامعة في الصلة والبر)، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ».
تفسير {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ}:
قال قتادة وابن عباس: «سبيل أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذين أقبلوا على الله ورجعوا إلى طاعته وتوحيده، كأبي بكر الصديق وسائر المهاجرين».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
جَاهَدَاكَ: بذلا غاية جهدهما ووسعهما وطاقتهما، واستعملا معك كل ألوان الضغط النفسي والمادي والإضراب لثنيك عن التوحيد.
مَعْرُوفًا: المعروف هو ما تعارف عليه العقلاء واستحسنته الشريعة والفطر السليمة من البر والإكرام والصلة والرفق بالقول والفعل.
أَنَابَ: الإنابة: الرجوع والإقبال بالكلية على الشيء، وأناب إلى الله: رجع إليه بالتوبة والإخلاص بعد الغفلة.
الإعراب والوجوه النحوية:
{وَإِن}: الواو عاطفة، {إِنْ}: حرف شرط جازم مبني على السكون.
{جَاهَدَاكَ}: فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، وألف الاثنين ضمير متصل في محل رفع فاعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به.
{عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ}: {عَلَىٰ}: حرف جر، {أَنْ}: مصدرية ناصبة، {تُشْرِكَ}: مضارع منصوب بالفتحة، والفاعل مستتر تقديره أنت، والمصدر المؤول في محل جر بعلى، والجار والمجرور متعلقان بجاهداك.
{بِي}: جار ومجرور متعلقان بتشرك.
{مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}: {مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لتشرك، {لَيْسَ}: فعل ماض ناقص جامد، {لَكَ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ليس مقدم، {بِهِ}: جار ومجرور متعلقان بعلم، {عِلْمٌ}: اسم ليس مؤخر مرفوع بالضمة، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{فَلَا تُطِعْهُمَا}: الفاء رابطة لجواب الشرط، {لَا}: ناهية جازمة، {تُطِعْهُمَا}: مضارع مجزوم بالسكون، وحذفت الياء لالتقاء الساكنين، والفاعل مستتر تقديره أنت، و(هما) ضمير في محل نصب مفعول به، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
{وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}: الواو عاطفة، {صَاحِبْهُمَا}: فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر، وهما مفعول به، {فِي الدُّنْيَا}: جار ومجرور متعلقان بصاحب أو بحال، {مَعْرُوفًا}: صفة لمفعول مطلق محذوف تقديره (صحبة معروفاً)، أو منصوب بنزع الخافض (أي بالمعروف)، أو حال من الفاعل.
{وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ}: معطوف على ما قبله، ومفعول اتبع هو سبيل، ومن مضاف إليه، وأناب صلته.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ميزان العدل والتوازن التشريعي القرآني الفريد:
وضعت الآية الميزان الدقيق بين حقين عظيمين قد يتصادمان: حق الله في التوحيد والعبودية، وحق الوالدين في البر والإكرام.
لم تلغ الشريعة حق الله إكراماً للوالدين، فقالت بصرامة: {فَلَا تُطِعْهُمَا}؛ ولم تسقط حق الوالدين بسبب كفرهما وضغطهما الشرس على الابن، بل أمرت بأعلى درجات الوفاء الإنساني: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}.
هذا الجمع البديع يمثل قمة العدالة والتحضر الأخلاقي الذي لا نظير له في أي نظام قانوني أو فلسفي وضعي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة القطيعة الأسرية عند الدخول في الإسلام: يزعم المستشرقون والمشككون أن الإسلام يزرع العداوة ويفكك الروابط الأسرية إذا اختلف أفراد الأسرة في الدين والعقيدة.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
ترد الآية الكريمة رداً حاسماً يخرس كل مفتري؛ فالآية لم تأمر فقط بالامتناع عن إيذاء الوالدين المشركين المجاهدين في الشرك، بل أمرت بمصاحبتهما بالمعروف، وإطعامهما، وكسوتهما، ومواساتهما، وعيادتهما عند المرض.
إن النهي محصور في قضية واحدة هي: "طاعتهما في الشرك بالله"، وهذا مقتضى المنطق السليم؛ إذ لا يملك مخلوق كائناً من كان أن يصادر عقل الإنسان وحريته الفطرية في توحيد خالقه العظيم.
إذن، الإسلام يفصل بين "المعتقد الديني" حيث لا تنازل عن التوحيد، وبين "الصلة الإنسانية والأسرية" حيث تجب المودة والمصاحبة بالمعروف.
اختيار صيغة "جاهد" الدالة على بذل أقصى الجهد والمغالبة الشديدة والمستمرة؛ لبيان أن الواجب على المؤمن الثبات على الدين حتى لو وصل ضغط الوالدين إلى ذروة التهديد والإضراب والمقاطعة.
الاحتراز الدقيق في {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}:
نفي العلم هنا نفي للوجود أصلاً؛ لأن ما لا علم به في جانب الإلهية فهو مستحيل وباطل قطعاً، وفيه تهجين للشرك بأنه قائم على الخرافة والجهل والظنون الفاسدة.
التدبر الإشاري:
مصاحبة الوالدين المخالفين في الدين بالمعروف هي في ذاتها أعظم وسيلة دعوية لهما؛ فإن الوالد المشرك حين يرى ولده المسلم يزداد براً وتواضعاً وخدماً له رغم معارضته الفكرية، يدرك بوجدانه أن هذا الدين يفيض بالأخلاق والرحمة، فيكون ذلك أعظم دافع له لاعتناق الإسلام.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
تعليم المهتدين الجدد كيفية التعامل مع أسرهم غير المسلمة، وتثبيتهم على التوحيد دون الصدام الأخلاقي مع الآباء، بل بمضاعفة البر وحسن الخلق.
التوجيه التربوي:
تدريب الجيل على التمييز بين طاعة الوالدين المحمودة في غير معصية الله، وبين التبعية المطلقة المحرمة؛ فـ "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".
التوجيه العملي:
صلة الأرحام والوالدين المقصرين في الصلاة أو المرتكبين لبعض المعاصي، ومناصحتهم باللين والرفق، والدعاء الدائم لهم بالهداية والاستغفار.