قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص113)جامع البيانالطبري٢٠/١١٣ وابن كثير (ج6/ ص341)مصدر غير محدد٦/٣٤١: «يقول تعالى ذكره مرغباً في الإيمان ومقابلاً حال السعداء بحال الأشقياء: إن الذين صدقوا الله ورسوله، وأقروا بتوحيده، وانقادوا لشرعه، وعملوا الصالحات المفروضة عليهم، فلهم عند ربهم جنات النعيم الخالدة؛ يتنعمون فيها بما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين من المآكل والمشارب والقصور والحور والرضوان».
إضافة الجنات إلى النعيم: {جَنَّاتُ النَّعِيمِ}؛ للدلالة على أن النعيم صفة لازمة تحيط بهم في تلك البساتين؛ نعيم للأبدان بالأنهار والثمار، ونعيم للأرواح برؤية وجه الله الكريم ورضوانه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«جَنَّاتُ»: جمع جنة، وهي البستان الملتف الأشجار الذي يجتنه ويستره الشجر من كثافته ونضارته.
«النَّعِيمِ»: النعمة الخالصة التامة التي لا يكدرها نصب ولا خوف ولا زوال.
الإعراب والتركيب النحوي:
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب مشبه بالفعل.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل نصب اسم إن.
{آمَنُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}: معطوف على آمنوا، والصالحات مفعول به منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم.
{لَهُمْ}: جار ومجرور شبه جملة خبر مقدم في محل رفع.
{جَنَّاتُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو مضاف.
{النَّعِيمِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة، وجملة {لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ} في محل رفع خبر إن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
أسلوب المقابلة القرآنية العظيمة (الترغيب بعد الترهيب): لما ذكر مصير المفتون بلهو الحديث والمستكبر عن آيات الله وتوعده بالعذاب الأليم، عطف مباشرة بذكر الصنف المقابل المشرق: أهل الإيمان والعمل الصالح وبشرهم بجنات النعيم؛ ليسير قلب القارئ بين جناحي الخوف والرجاء.
إسناد النعيم إلى الجنات: لم يقل "لهم جنات فيها نعيم"، بل أضافها إضافة ملازمة: {جَنَّاتُ النَّعِيمِ}؛ ليدل على أن النعيم مادتها وجوهرها وهواؤها، فلا يشوبها أدنى كدر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التكليف بالعمل الصالح مع سعة فضل الله: يتساءل البعض: لماذا يشترط القرآن دائماً مع الإيمان العمل الصالح: {آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}؟
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تقرر الآية أن الإيمان دعوى باطنة تحتاج إلى برهان عملي يصدقها؛ فالعمل الصالح هو الشاهد العدل على صدق الإيمان، كما أن الجنة درجات وتفاضلها يكون بحسب الأعمال الصالحة والإخلاص، فالجمع بينهما توازن عقلي يقطع أماني المرجئة والكسالى.