قال ابن جرير الطبري (20/146)مصدر غير محدد٢٠/١٤٦: «يقول تعالى: نمتع هؤلاء الكفار بما نرزقهم ونبسط لهم من زهرة الحياة الدنيا ونمد لهم في الآجال زماناً يسيراً وقليلاً في الدنيا، ثم بعد انقضاء آجالهم نلجئهم ونكرههم ونسوقهم سوقاً قهرياً إلى عذاب غليظ ثقيل في جهنم لا فكاك لهم منه».
ونقل ابن كثير (6/342)مصدر غير محدد٦/٣٤٢: «أي نمتعهم في الدنيا بأيام قلائل، كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ}، وكل مدة الدنيا قليل في جنب الآخرة، ثم نلجئهم إلى عذاب غليظ أي شديد مفرط الصعوبة والألم».
وقال السعدي (ص 650)مصدر غير محدد٦٥٠: «{نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا}: في هذه الدنيا الزائلة الفانية التي متاعها نزر يسير، {ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ}: أي نلجئهم ونسوقهم مكروهين رغماً عنهم إلى عذاب جهنم الغليظ الذي لا يطاق».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
نُمَتِّعُهُمْ: التمتيع: الإعطاء ما يستمتع به الإنسان وينتفع به حيناً ثم يزول وينقطع.
نَضْطَرُّهُمْ: الاضطرار: الإلجاء والقهر والإكراه إلى الشيء بحيث لا يجد المحمول عليه أي مخرج أو خيار آخر، من الضر والضيق.
غَلِيظٍ: الغلظة: الشدة والفظاعة والثقل والخشونة التي تتجاوز طاقة الاحتمال.
الإعراب والوجوه النحوية:
{نُمَتِّعُهُمْ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة، والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن للتعظيم، وهم ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول.
{قَلِيلًا}: مفعول مطلق نائب عن المصدر (أي تمتيراً قليلاً)، أو ظرف زمان (أي زمناً قليلاً)، أو حال من المفعول به الثاني المحذوف.
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد الترتيب مع التراخي في الزمن الدنيوي، واستبعاد المآل الأخروي المهول.
{نَضْطَرُّهُمْ}: فعل مضارع مرفوع، وفاعله مستتر تقديره نحن، وهم مفعول به.
{إِلَىٰ عَذَابٍ}: جار ومجرور متعلقان بنضطرهم.
{غَلِيظٍ}: نعت لعذاب مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إزالة الانخداع بالمظاهر الدنيوية للكفار:
لما قال في الآية السابقة: {وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ}، كان قد يخطر ببال السامع تساؤل: إذا كان كفرهم ممقوتاً، فلم نراهم يتقلبون في الأموال والقصور والملذات والقوة؟
فجاءت هذه الآية كالسياط التي تبدد هذا الوهم؛ مبينة أن هذا التمتيع إنما هو استدراج مؤقت وزمن يسير تافه، تعقبه السلاسل والأغلال والقهر التام في نار الجحيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نجاح الظالمين وتفوق الحضارات الإلحادية والمادية في الدنيا: يستدل الملاحدة والمغترون بازدهار الحضارة الغربية المادية وغناها الاقتصادي على صواب منهجهم أو على غياب العدالة الإلهية.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تضع الآية المعادلة الرياضية والزمنية الصحيحة؛ فكل عمر الدنيا مهما طال ومهما بلغت حضاراتها من البذخ هو "قليل" قطرة في بحار الخلود الأبدي؛ فما قيمة سبعين أو مئة سنة من النعيم الفاني يعقبها خلود سرمدي في العذاب الأليم؟!
إن التمتيع المادي ليس دليل رضى ولا علامة حق، بل هو قانون الاستدراج الكوني: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً}.
والاضطرار {نَضْطَرُّهُمْ} يبين أن هذا المستكبر الذي كان يصول ويجول في الدنيا متبختراً سيساق يوم القيامة ذليلاً مقهوراً لا يملك من أمره شيئاً.
إسناد الفعلين إلى نون العظمة الإلهية {نُمَتِّعُهُمْ} و{نَضْطَرُّهُمْ}:
إشعار بكمال الهيمنة والجبروت الإلهي؛ فكل متاعهم لم ينالوه رغماً عن الله بل بتمتيع الله لهم لحكمة الابتلاء، وإلجاؤهم إلى العذاب هو قضاء نافذ لا مرد له.
الوصف الحسي بـ {غَلِيظٍ}:
تجسيم لفظي لبشاعة العذاب؛ فهو عذاب كثيف ثقيل يطبق على الجسد والروح ويسد كل منافذ التنفس والفرج.
التدبر الإشاري:
الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر؛ والمؤمن العاقل لا يحسد الكافر على قصره أو سيارته أو ماله الفاني، بل يشفق على مآله المظلم ومصيره المحتوم إلى العذاب الغليظ.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
تثبيت قلوب المستضعفين والمضطهدين من المؤمنين، وتبصيرهم بأن علو الباطل الدنيوي جولة عارضة تافهة سريعة الزوال.
التوجيه التربوي:
تحصين الشباب المسلم من الانبهار بالحياة الغربية المادية المعاصرة، وغرس النظرة الأخروية التي تقيم الأشياء بميزان الأبدية لا بميزان اللحظة العاجلة.
التوجيه العملي:
الزهد في فضول الدنيا، وعدم اتخاذ التمتع المادي غاية عليا للحياة، واستعمال النعم الدنيوية كمعابر وسلالم لمرضاة الله.
الوجدان الإيماني:
الرهبة والخوف من الاستدراج بالنعم، والاستعاذة الدائمة بالله من عذاب النار وأهوال يوم القيامة.