قال ابن جرير الطبري (20/147)مصدر غير محدد٢٠/١٤٧: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك: من خلق السماوات السبع والأرضين وما فيهما؟ ليقولن مجيبين لك: خلقهن الله لا شريك له في خلقهن؛ لأنهم يعلمون أن آلهتهم التي يعبدونها لم تخلق من ذلك شيئاً ولا تدعي ذلك».
ونقل ابن كثير (6/342)مصدر غير محدد٦/٣٤٢: «يقول تعالى: ولئن سألت هؤلاء المشركين المعاندين عن خالق الكون لأقروا بأنه الله وحده لا شريك له، ومع هذا يعبدون معه غيره من الأوثان والأنداد التي يعترفون بأنها مخلوقة ومربوبة له! {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} الذي أقام الحجة عليكم من أفواهكم؛ {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} أي لا يعلمون ما يترتب على هذا الإقرار من وجوب إفراده وحده بالعبادة ونبذ الشركاء».
تفسير {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} بالأثر:
قال قتادة ومجاهد: «الحمد لله على ظهور الحجة عليهم واعترافهم بالخالق الأحد، ولله الحمد على كل حال».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
الحمد: الثناء باللسان على الجميل الاختياري المقرون بالمحبة والتعظيم، وهو أعم من الشكر؛ لأن الشكر يقابل النعمة، بينما الحمد يقابل النعمة ويثنى به على كمال الذات والصفات.
{سَأَلْتَهُم}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بتاء الفاعل في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعل، وهم مفعول به أول.
{مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}: {مَنْ}: اسم استفهام مبني في محل رفع مبتدأ، {خَلَقَ}: فعل ماض والفاعل مستتر، {السَّمَاوَاتِ}: مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة، {وَالْأَرْضَ}: معطوف منصوب، والجملة في محل رفع خبر من، وجملة الاستفهام علقت سألت عن العمل في المفعول به الثاني في محل نصب سادة مسده.
{لَيَقُولُنَّ}: اللام واقعة في جواب القسم المقدر، {يَقُولُنَّ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل، والنون المشددة نون التوكيد الثقيلة لا محل لها من الإعراب، والجملة جواب القسم وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة خبر لمبتدأ محذوف تقديره (خلقهن الله)، أو فاعل لفعل محذوف تقديره (خلقهن الله).
{قُلِ}: فعل أمر مبني على السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{الْحَمْدُ لِلَّهِ}: مبتدأ وخبر في محل نصب مقول القول.
{بَلْ}: حرف إضراب انتقالي.
{أَكْثَرُهُمْ}: مبتدأ مرفوع، وهم مضاف إليه.
{لَا يَعْلَمُونَ}: جملة فعلية منفية في محل رفع خبر المبتدأ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إلزام الخصم بإقراره الفطري:
بعد أن فضح عناد المشركين في جدالهم وتقليدهم للآباء، كشف السياق هنا التناقض العقلي المريع الذي يعيشه المشرك؛ فهو يقر بلسانه وفطرته أن الخالق العظيم للسماوات والأرض هو الله وحده، ولكنه ينتكس فيصرف عبادته لأصنام عاجزة لا تخلق ذبابة!
فأمر نبيه بالحمد {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} لإلجامهم بحجتهم الفطرية الذاتية التي لا مهرب لهم منها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الفصل بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية (تناقض الوثنية والمادية): يقر كثير من المشركين والربوبيين بوجود خالق أعظم للكون، لكنهم يرفضون الالتزام بأوامره وشرائعه أو يشركون معه شفعاء وأنداداً بدعوى التقرب.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تقيم الآية الدليل المنطقي الصارم: إذا كنتم تقرون بأن الله وحده هو المستقل بخلق السماوات والأرض دون شريك ولا معين، فكيف تجعلون له شريكاً في العبادة والشكر والطاعة؟!
إن الذي يخلق هو الذي يستحق أن يعبد، والجماد أو المخلوق العاجز الذي لم يخلق ذرة في الوجود لا يستحق أدنى خضوع؛ فالفصل بين الخلق والعبادة هو قمة الجهل والتناقض المنطقي: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}.