تفسير خلق السماوات والأرض والدواب والنبات في الآثار:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص114)جامع البيانالطبري٢٠/١١٤ وابن كثير (ج6/ ص342)مصدر غير محدد٦/٣٤٢:
«{بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا}: فيها قولان لأئمة السلف:
القول الأول (المروي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة): لها عمد ولكنكم لا ترونها، أي جعل لها عمداً غير مرئية وهي قدرته وإمساكه لها بالنواميس والجاذبية.
القول الثاني (المروي عن الحسن وقتادة واختاره ابن جرير وابن كثير): خلق السماوات مرفوعة بغير عمد أصلاً، وأنتم ترونها كذلك مرفوعة بلا دعائم ولا عمد تسندها؛ فالرؤية منصبة على نفي العمد كلياً، وهو أظهر في الدلالة على كمال القدرة والإعجاز».
«{وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ}: الرواسي هي الجبال العظام الثوابت الثقيلة ألقاها وأرساها في الأرض؛ لئلا تميد وتضطرب وتتحرك بالخلق فتمنعهم من الاستقرار».
«{وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ}: نشر وفرق في أرجاء الأرض من جميع أصناف الحيوانات والدواب ما لا يحصيه إلا الله».
«{فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ}: من كل صنف ونوع بهيج حسن المنظر طيب الرائحة والثمر والمنفعة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«عَمَدٍ»: جمع عماد، وهو ما يُقام عليه البناء ويسنده كالسارية والأسطوانة.
«رَوَاسِيَ»: جمع راسية، وهي الجبال الثوابت الراسخة ذات الجذور الممتدة في القشرة الأرضية.
«تَمِيدَ»: المَيَدُ هو الاضطراب والميل والحركة والاهتزاز الشديد.
«بَثَّ»: البث هو النشر والتفريق والتكثير في نواحي المكان.
«زَوْجٍ كَرِيمٍ»: الزوج الصنف والنوع، والكريم الحسن النافع الطيب كثير الخير والبركة.
الإعراب والتركيب النحوي:
{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ}: فعل ماض والفاعل مستتر والسماوات مفعول به منصوب بالكسرة.
{بِغَيْرِ عَمَدٍ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بمحذوف حال من السماوات.
{تَرَوْنَهَا}: مضارع وفاعل ومفعول به، والجملة في محل جر نعت لعمد (على القول بوجود عمد خفية)، أو مستأنفة في محل نصب حال من السماوات (على القول بنفي العمد أصلاً).
{وَأَلْقَىٰ}: معطوف على خلق، والفاعل مستتر.
{فِي الْأَرْضِ}: متعلقان بـ {ألقى}.
{رَوَاسِيَ}: مفعول به منصوب بالفتحة، ولم ينون لأنه ممنوع من الصرف على صيغة منتهى الجموع.
{أَن تَمِيدَ بِكُمْ}: أن مصدرية، تميد مضارع منصوب، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول لأجله بتقدير كراهة (أي كراهة أن تميد بكم) أو حذر أن تميد، وبكم جار ومجرور متعلقان بـ {تميد}.
{وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ}: معطوف، وبث فعل وفاعل، وفيها متعلقان به، ومن كل متعلقان بمحذوف مفعول به (أي بث دواب من كل صنف)، ودابة مضاف إليه.
{وَأَنزَلْنَا}: التفات إلى نون العظمة، فعل وفاعل.
{مِنَ السَّمَاءِ مَاءً}: جار ومجرور ومفعول به.
{فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ}: عطف بالفاء، ومفعول به محذوف تقديره نباتاً من كل زوج، وكريم نعت لزوج.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إقامة البراهين الكونية الخمسة بعد تقرير الوعد والوعيد: بعد أن استعرض مآل المفتونين والمحسنين في الدار الآخرة، انتصب السياق ليقيم البراهين الكونية المشاهدة التي تثبت انفراد الله بالألوهية والربوبية والقدرة على البعث، فنسق خمس آيات كبرى:
رفع السماوات بلا عمد.
تثبيت الأرض بالرواسي لمنع الاضطراب.
بث الدواب ونشر الحياة في الأرض.
إنزال ماء المطر من السماء.
إنبات أصناف النبات الأزواج الكريمة.
التطابق الإعجازي مع علوم الجيولوجيا والفلك:
في قوله {بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا}: يشير العلم الحديث إلى القوى غير المرئية (قوى الجاذبية والمجالات الكهرومغناطيسية والمادة المظلمة) التي تمسك النجوم والمجرات في مدارات دقيقة بغير أعمدة مادية مرئية.
في قوله {وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ}: يقرر علم الجيولوجيا (التكتونيات ونظرية توازن القشرة الأرضية / الأيزوستاسيا والتوازن التضاغطي) أن الجبال لها جذور عميقة في طبقة الوشاح تمتد أضعاف ارتفاعها فوق السطح، وتعمل كأوتاد ومثبتات لألواح القشرة الأرضية لتمنعها من التذبذب والميدان أثناء دوران الأرض وحركة الصفائح.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التفسير الصدفي العشوائي لانتظام الكون والحياة: يزعم الملاحدة أن استقرار الأرض وغلافها الجوي وتنوع أحيائها نتاج صدفة طبيعية غير مقصودة.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
الحجة العقلية هنا في غاية الإحكام والإلزام؛ فهذا التناسق المحكم بين رفع السماء، واستقرار الأرض بالجبال، وتنوع ملايين أصناف الدواب التي تتكامل بيئياً، ونزول الماء وإنبات الزوج الكريم؛ يستحيل عقلاً ورياضياً أن ينتج عن خبط عشواء؛ فالنظام المتكامل لا يصدر إلا عن ناظم قدير عليم حكيم، فكان الكون كله دليلاً عقلياً قاطعاً على وحدانية خالقه.
البلاغة الجمالية في وصف النبات بـ «زَوْجٍ كَرِيمٍ»: وصف الزوج النباتي بـ «الكريم» استعارة ترقى بالنبات إلى صفة الجود وحسن المظهر وكثرة المنافع والبهجة؛ فالأرض تنبت ما يسر الناظرين ويغذي الأبدان.
الالتفات إلى نون العظمة في {وَأَنزَلْنَا... فَأَنبَتْنَا}: إبراز لفيض المنة المباشرة والعناية الإلهية في إنزال الغيث وتفجير ينابيع الحياة في الأرض.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار نعم الله المسخرة في الأرض: تذكر استقرار الأرض وسكونها كنعمة عظمى؛ فلو تزلزلت ومادت لحظة واحدة لانهارت المدن وهلك البشر.
الرفق بالدواب ورعاية البيئة النباتية: إدراك أن الدواب والنبات شركاء في هذا الكوكب خلقهما الله بحكمة، مما يوجب الرفق بالحيوان وصيانة الغطاء النباتي وعدم الإفساد في الأرض.