أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره (20/132)مصدر غير محدد٢٠/١٣٢ بسنده عن سعيد بن المسيب قال: «كان لقمان من سودان مصر، ذو مشافر، أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة».
ونقل ابن كثير (6/334)مصدر غير محدد٦/٣٣٤ إجماع جماهير أهل العلم وسلف الأمة على أن لقمان كان عبداً صالحاً حكيماً ولياً من أولياء الله ولم يكن نبياً، وإنما روي القول بنبوته عن عكرمة في رواية شاذة مردودة بإجماع المحققين.
وعن وهب بن منبه ومجاهد: «كان لقمان عبداً حبشياً نجاراً، وقيل راعياً، خُيّر بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة، فلما سئل عن ذلك قال: لو حملني ربي النبوة لقبِلتها ورجوتُ منه العون، ولو خيّرني لاخترتُ العافية والحكمة؛ لأن أمر النبوة جسيم».
تفسير الحكمة:
فسرها ابن عباس رضي الله عنهما: «الفهم والعقل والفطنة وإصابة القول والعمل دون نبوة».
وقال قتادة: «الحكمة: الفقه في الإسلام، وإصابة الحق والعمل به».
وقال القرطبي (14/59)مصدر غير محدد١٤/٥٩: «الحكمة هي المعرفة بالدين، وإصابة الصواب في المقال، والعمل بمقتضى العلم».
التوجيه بالمأثور لقوله {أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ}:
أي: آتيناه الحكمة وقلنا له: اشكر لله على ما آتاك من المعرفة والتوفيق، فكان رأس حكمته الشكر؛ لأن العلم بلا شكر استدراج ووبال.
قال السعدي في تفسيره (ص 648)مصدر غير محدد٦٤٨: «نفع الشكر عائد إلى الشاكر نفسه؛ لأن الله يزيده من فضله ويثيبه، والله غني عن شكر الشاكرين لا تنفعه طاعة المطيعين، حميد في ذاته وصفاته وأفعاله وإن كفره الكافرون».
ويشهد لذلك الحديث القدسي الجليل عند مسلم في صحيحه (رقم 2577)مصدر غير محددحديث رقم ٢٥٧٧ عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئاً، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
الحكمة: مأخوذة من "حَكَمَة اللجام"، وهي الحديدة التي تمنع الدابة من الاضطراب والجموح، فسميت الحكمة حكمة لأنها تمنع صاحبها من اتباع الهوى وركوب السفه، وتجعله يضع الأشياء في مواضعها بدقة وإحكام.
الشكر: لغةً: الظهور والنماء، وأصله من قولهم: "دابة شَكُور" إذا أظهرت السمن فوق ما تعطى من العلف. وفي الاصطلاح: اعتراف القلب بنعم المنعم، ولهج اللسان بذكره، واستعمال الجوارح في طاعته.
الغني الحميد: الغني: الذي لا يفتقر إلى شيء في وجوده وبقائه وكماله. الحميد: فعيل بمعنى محمود، أي المحمود في كل حال بذاته وصفاته المستحق للحمد أزلاً وأبداً.
الإعراب والوجوه النحوية:
{وَلَقَدْ}: الواو عاطفة أو استئنافية، واللام واقعة في جواب قسم مقدر، و{قَدْ}: حرف تحقيق مبني على السكون.
{آتَيْنَا}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا الفاعلين، و(نا) ضمير متصل في محل رفع فاعل.
{لُقْمَانَ}: مفعول به أول منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، وهو ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون.
{الْحِكْمَةَ}: مفعول به ثانٍ منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{أَنِ اشْكُرْ}: {أَنْ} مفسرة لا محل لها من الإعراب لأن إيتاء الحكمة يتضمن معنى القول دون حروفه، أو هي مخففة من الثقيلة، أو مصدرية بتقدير لام التعليل المحذوفة (أي: لأن اشكر). و{اشْكُرْ}: فعل أمر مبني على السكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت.
{وَمَن يَشْكُرْ}: الواو استئنافية، {مَنْ}: اسم شرط جازم مبني في محل رفع مبتدأ، {يَشْكُرْ}: فعل الشرط مجزوم وعلامة جزمه السكون.
{فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، {إِنَّمَا}: كافة ومكفوفة تفيد الحصر، {يَشْكُرُ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو، و{لِنَفْسِهِ}: جار ومجرور متعلقان بيشكر، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وجملتا الشرط والجواب خبر المبتدأ {مَنْ}.
{فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، {إِنَّ}: حرف توكيد ونصب، {اللَّهَ}: اسمها منصوب، {غَنِيٌّ}: خبر إن أول مرفوع، {حَمِيدٌ}: خبر ثانٍ مرفوع، وجملة إن واسمها وخبرها في محل جزم جواب الشرط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه الاتصال بما قبلها:
لما ذكر الله في مطلع السورة أن هذا الكتاب {هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ} ووصفه بأنه {آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ}، وذكر أصناف السعداء المفلحين، ثم ذكر الأشقياء الذين يشتري أحدهم {لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} ويتكبر إذا تتلى عليه آياته، أعقب ذلك بذكر نموذج تطبيقي تاريخي معروف عند العرب للحكمة الإنسانية السديدة الموصولة بوحي الله، وهو لقمان الحكيم، ليعلم مشركو قريش أن الحكمة التي يفتخرون بتعظيم حكمائها كلقمان لا تنفك عن التوحيد الخالص والشكر لله، وأن لهو الحديث والشرك إنما هو عين السفه والضلال.
تناسب صدر الآية مع ختامها:
صدرت الآية بإيتاء الحكمة المقرونة بالشكر: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ}، وختمت ببيان كمال استغناء الله وحمده: {فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}، ليعلم العاقل أن شكر العبد لا يعود بنفع على الرب المتعال، بل ثمرته عائدة إلى العبد نفسه، وكفر العبد لا ينقص من كبرياء الله وجلاله قيد أنملة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التكليف العبثي والحاجة الإلهية للعبادة: يزعم الملاحدة والمشككون أن مطالبة الخالق للبشر بالحمد والشكر توحي بنوع من "الحاجة النفسية للثناء" تنزه الله عن ذلك.
الله سبحانه كامل الغنى بذاته، لا يستزيد بالحمد كمالاً لم يكن له، ولا يدفع بكفر الكافرين نقصاً أو أذى، فالعبادة ليست منفعة للمعبود بل هي المنظومة الوحيدة لترقية العابد وصلاح روحه واستقراره الوجودي والنفسي.
إن شكر النعمة هو قانون عقلي وأخلاقي بديهي؛ فالعقل السليم يقبح مقابلة الإحسان بالنكران والجحود، وربط الشكر بمنفعة العبد يوضح أن شكر النعمة هو سبب دوامها وزيادتها وصيانة النفس من داء الطغيان والغرور.
أسلوب الحصر بـ {إِنَّمَا}: {فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ}؛ قصر نفع الشكر على الشاكر نفسه قصراً قلبياً حقيقياً، يزيل كل وهم بأن شكر الله كخدمة الملوك والرؤساء التي ينتفع بها المخدوم.
صيغة المبالغة في الاسمين الجليلين {غَنِيٌّ حَمِيدٌ}:
مجيء "حميد" على وزن فعيل للدلالة على ثبوت الحمد الذاتي لله حتى لو عُدم الحامدون؛ فالكون بكل ذراته شاهد بكماله مسبح بحمده.
التدبر الإشاري:
الحكمة ليست بكثرة الكلام وتزويق العبارات الفلسفية الباردة، وإنما الحكمة نور يقذفه الله في القلب يثمر شكر المنعم، وطهارة اللسان، وسداد العمل. وكل فلسفة أو فكر لا يوصل الإنسان إلى عبودية الله والاعتراف بنعمه فهو سفه وجهل مركب وإن زوق بأرقى المصطلحات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
على الداعية والمربي أن يربط الحكمة بالأخلاق العقدية، وأن يدرك أن أصل كل حكمة وخير هو توحيد الله ومحبته وشكره.
التوجيه التربوي:
غرس خلق الشكر في نفوس الناشئة؛ شكر الله على نعمه الدينية والدنيوية، وشكر أصحاب الفضل والإحسان، وتدريب النفس على رؤية فضل الله في كل جزئية من جزئيات الحياة.
التوجيه العملي:
جعل ورد يومي لأذكار الصباح والمساء والحمد وسجدات الشكر عند تجدد النعم، واستعمال كل جارحة (العين، الأذن، اللسان، الجسد) فيما خلقت له من طاعة الله؛ لأن شكر النعمة حفظٌ لها وقيد لنفارها.
الوجدان الإيماني:
امتلاء القلب بمشاعر الفقر المطلق لله والغنى به سبحانه، والشعور بالسكينة لعلم العبد أن ربه غني كريم جواد لا يزيده عطاؤه إلا غنى ومجداً.