تفسير إيلاج الليل والنهار وتسخير الشمس والقمر بالأثر:
قال ابن جرير الطبري (20/152)مصدر غير محدد٢٠/١٥٢: «يقول تعالى ذكره: ألم تر يا محمد بعين قلبك فتعلم أن الله يدخل ما نقص من ساعات الليل في ساعات النهار فيطول النهار ويقصر الليل في الصيف، ويدخل ما نقص من ساعات النهار في الليل فيطول الليل ويقصر النهار في الشتاء؟ {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} ذللهما لمنافع خلقه، {كُلٌّ يَجْرِي إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} وهو يوم القيامة حيث تكور الشمس ويخسف القمر وتتناثر النجوم».
ونقل ابن كثير (6/344)مصدر غير محدد٦/٣٤٤ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن: «إيلاج أحدهما في الآخر هو زيادة أحدهما بما ينقص من الآخر باختلاف الفصول، وجريان الشمس والقمر إلى أجل مسمى أي إلى غاية مقدرة ينتهي عندها دورانهما وهو فناء الدنيا وقيام الساعة، وقيل: إلى مستقرهما كل يوم وليلة».
وفي قوله {وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}: قال السعدي (ص 650)مصدر غير محدد٦٥٠: «خبير بأعمالكم الظاهرة والباطنة وسيجازيكم عليها؛ فالذي دبر هذا الفلك العظيم بهذا الإحكام لا يغفل عن تدبير شريعة الجزاء ومحاسبة المكلفين».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}: معطوف على المصدر المؤول السابق، وأن واسمها وخبرها خبير، وبما متعلقان بخبير، وتعلمون صلة ما (وقرئ بالتاء والياء).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البراهين الفلكية المشهودة على الربوبية الحقة:
بعد أن بين قدرته الغيبية على البعث كنفس واحدة، أقام الدليل الحسي المشاهد بالعين الذي لا يملك أحد إنكاره؛ وهو تعاقب الليل والنهار، واختلاف الفصول، وحركة الشمس والقمر المنتظمة بدقة متناهية.
وهذا الربط بين "النظام الكوني الفلكي" و"النظام الأخلاقي الجزائي" {وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} يعلم العاقل أن الكون لم يُخلق عبثاً بل لحكمة وغاية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة أزلية الكون وثباته المطلق بدون خالق ومدبر (الفلسفة الدهرية): يزعم الملاحدة والدهريون أن الأفلاك والنجوم تدور بحركة ذاتية عمياء مستمرة أزلاً وأبداً دون صانع ولا نهاية.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تدحض الآية هذه الخرافة بتقرير حقيقة علمية ووجودية صارمة: {كُلٌّ يَجْرِي إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى}.
فالشمس والقمر والأجرام السماوية ليست كائنات أزلية ولا أبدية؛ بل لها "أجل مسمى" وعمر محدد ينفد فيه وقودها الذري وتنهار طاقتها، وهو ما يقرره علم الفلك والفيزياء الحديثة اليوم في قانون الديناميكا الحرارية الثاني وموت النجوم الحتمي.
والجريان المنضبط بدقة متناهية يقطع بوجود "مدبر مسخر" وضع تلك القوانين وقاد تلك المدارات بحكمة فائقة، واستحالة أن ينشأ هذا التناغم البديع من عشوائية صدفية عمياء.
بين الليل والنهار في موضعين؛ لتصوير التداخل التدريجي الهادئ، فبينما ينسحب أحدهما رويداً رويداً يدخل الآخر بلطف دون اصطدام أو اضطراب.
التنكير في {أَجَلٍ مُّسَمًّى}:
تنكير تهويل وتفخيم؛ لبيان أن هذا الأجل سر مكنون استأثر الله بعلمه لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل.
التدبر الإشاري:
إيلاج النور في الظلمة إشارة إلى إيلاج نور الهداية والقرآن في ظلمات الجاهلية والشبهات، وإيلاج الفرج واليسر في مضائق الكروب؛ فلا ييأس مؤمن وربه يولج الفجر الصادق من قلب الليل الحالك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
دعوة الناس إلى التفكر في آيات الآفاق؛ وربط العلوم الطبيعية والفلكية بتعظيم الخالق جل جلاله.
التوجيه التربوي:
تدريب الطلاب على مراقبة دقة النظام الكوني والزمني، وغرس احترام النظام والمواعيد في حياتهم استلهاماً من جريان الشمس والقمر.
التوجيه العملي:
استثمار الأوقات والأنفاس قبل حلول "الأجل المسمى" الخاص بكل إنسان وهو الموت؛ واستشعار مراقبة الخبير بالأعمال.
الوجدان الإيماني:
الهيبة والخشوع أمام عظمة المسخر للكون، وانجلاء الهموم من القلب لعلم العبد أن تصريف الكون كله بيد ربه الرحيم الحكيم.