أخرج الإمام الحاكم في المستدرك وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، والبيهقي في سننه، والطبري في تفسيره (جامع البيان، ج20/ ص109)جامع البيانالطبري٢٠/١٠٩ وابن أبي شيبة في المصنف: عن أبي الصهباء البكري قال: سألت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ}، فقال: «الغناء، والذي لا إله إلا هو» يرددها ثلاث مرات!
وروى الطبري وابن كثير (ج6/ ص339)مصدر غير محدد٦/٣٣٩صحيح بإسناد صحيح عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «نزلت في الغناء وأشباهه». وعن مجاهد: «هو الغناء واستماع المزامير، وكل باطل يلهي عن ذكر الله وقراءة كتابه».
وعن الحسن البصري: «نزلت في الغناء والمزامير وكتب الأعاجم التي تصرف عن القرآن».
سبب النزول وسياق الواقعة التاريخية:
روى جويبر ومقاتل والسدي وابن إسحاق أن الآية نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة؛ كان يسافر تاجراً إلى فارس والحيرة، فيشتري كتب الأعاجم وأخبار ملوك فارس كرستم وإسفنديار والقيان (المغنيات)، فإذا سمع أحداً يقبل على النبي صلى الله عليه وسلم ليستمع القرآن، قال له النضر: تعال أحدثك بأحسن من حديث محمد، ويأمر جاريته فتغنيه وتطعمه، قائلاً: هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه! فأنزل الله تعالى هذه الآية تقريعاً له وتوبيخاً.
القراءات في {لِيُضِلَّ} و{وَيَتَّخِذَهَا}:
قرأ الجمهور (نافع، عاصم، ابن كثير، أبو عمرو، الشامي) بضم الياء {لِيُضِلَّ} من أضل الرباعي؛ أي ليصرف غيره عن طريق الحق. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي في رواية بفتح الياء {لِيَضِلَّ} من ضل اللازم؛ أي ليضل هو في نفسه بسلوك طريق الباطل.
قرأ الجمهور بنصب الذال {وَيَتَّخِذَهَا} عطفاً على المنصوب {ليضل}. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية برفع الذال {وَيَتَّخِذُهَا} استئنافاً على أنه خبر مبتدأ محذوف (أي: وهو يتخذها هزواً).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«لَهْوَ الْحَدِيثِ»: اللهو هو كل باطل يشغل النفس ويلهيها عما ينفعها في دينها ومعاشها؛ ولهو الحديث يشمل الغناء المحرم، والمعازف الملهية، والأساطير الباطلة، واللغو الساقط، ووسائل الإلهاء والإفساد الفكري والإعلامي.
«يَشْتَرِي»: الشراء هنا يشمل الشراء الحقيقي بالمال (كبذل الأموال في شراء كتب الضلال والمغنيات وأدوات اللهو)، ويشمل الاستبدال والاختيار؛ أي يستبدل الباطل بالحق ويفضل اللهو على الوحي.
«هُزُوًا»: السخرية والاستخفاف والاستهزاء بآيات الله وشرائعه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة الصارخة بين صنفين من البشر:
الصنف الأول (المحسنون): يقبلون على "الكتاب الحكيم" تلاوة وخشوعاً، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويوقنون بالآخرة، فكان جزاؤهم الفلاح والهدى.
الصنف الثاني (المفسدون الملهون): يعرضون عن الحكمة، ويشترون "لهو الحديث" والمزامير والتفاهات ليصدوا الناس عن القرآن ويستهزئوا بآياته، فكان جزاؤهم العذاب المهين.
التقابل اللفظي الدقيق: قابل بين {آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} وبين {لَهْوَ الْحَدِيثِ}؛ ليدل على أن القلب إذا امتلأ بلهو الحديث وسفاسفه مجَّ الحكمة ونفر من كلام الله؛ فالغناء والقرآن لا يجتمعان في قلب مؤمن إلا وطرد أحدهما الآخر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تسويغ المعازف والغناء الماجن ودعاوى الترفيه البريء: يزعم المفرطون أن الموسيقى والغناء لا علاقة لهما بالصد عن سبيل الله وإنما هما ترفيه محض.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
الآية الكريمة، وإجماع أئمة التفسير من الصحابة والتابعين (كابن مسعود وابن عباس ومجاهد والحسن)، وأئمة المذاهب الأربعة الفقهية (أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد) يقررون تحريم المعازف والغناء الماجن وآلات الطرب الملهية؛ لأن الواقع العملي والمشاهد يثبت أن هذه الأدوات إنما صُممت لتخدير العقول، وإثارة الغرائز، وصرف الأمة عن معالي الأمور والجهاد والقرآن، واليوم نرى صناعة الترفيه الإباحي والمليارات التي تُنفق على الإلهاء وتسطيح الوعي هي أعتى أسلحة الحرب الفكرية والصد عن سبيل الله: {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ}.
البلاغة الاقتصادية في التعبير بـ «يَشْتَرِي»: استخدام لفظ الشراء لبيان بذل الأموال والأوقات والجهود النفيسة في سبيل تحصيل التفاهات والخسائس؛ فهو بيع خاسر يستبدل به الإنسان الدرة بالبعرة.
المناسبة في وصف العذاب بـ «مُّهِينٌ»: لما استكبروا وسخروا واستهزؤوا بآيات الله {وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا}، ناسب أن يعاقبهم الله بعذاب "مُهين" يذل كبرياءهم ويخزيهم أمام الخلائق؛ فالجزاء من جنس العمل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تطهير البيوت والأسماع من لهو الحديث والمعازف: الحذر من استماع الأغاني الماجنة والمحتويات الهابطة التي تنبت النفاق في القلب وتصد عن القرآن.
الوعي بالإعلام المضاد وصناعة الإلهاء: إدراك المسلم للمخططات التي تسعى لإلهاء الشباب عن قضايا أمتهم ودينهم بالترفيه المفرط والسفاهات، ومواجهة ذلك بنشر العلم النافع والقرآن الحكيم.