قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص108)جامع البيانالطبري٢٠/١٠٨ وابن كثير (ج6/ ص339)مصدر غير محدد٦/٣٣٩: «يقول تعالى ذكره: أولئك الموصوفون بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة واليقين بالآخرة هم على نور وبصيرة ورشاد واستقامة من ربهم، وأولئك هم الفائزون بالظفر بما طلبوا، والناجون من النار، المخلدون في جنات النعيم».
معنى الفلاح في لسان العرب: الفلاح هو الفوز بالبغية والخلود في الخير والنجاة من كل مكروه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«عَلَىٰ هُدًى»: على تفيد الاستعلاء والتمكن والرسوخ؛ كأن الهدى مركب عالٍ سامٍ ركبوه وتمكنوا من قياده.
«الْمُفْلِحُونَ»: جمع مفلح، من أفلح إذا فاز وظفر بخيري الدنيا والآخرة.
الإعراب والتركيب النحوي:
{أُولَٰئِكَ}: اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ، والكاف للخطاب.
{عَلَىٰ هُدًى}: جار ومجرور شبه جملة في محل رفع خبر المبتدأ، وهدى مجرور بكسرة مقدرة على الألف.
{مِّن رَّبِّهِمْ}: جار ومجرور ومضاف إليه في محل جر نعت لـ {هدى}.
{وَأُولَٰئِكَ}: الواو عاطفة، اسم إشارة مبتدأ ثانٍ.
{هُمُ}: ضمير فصل لا محل له من الإعراب، أو مبتدأ ثالث.
{الْمُفْلِحُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تكرار اسم الإشارة {أُولَٰئِكَ... وَأُولَٰئِكَ}: تكرار اسم الإشارة للبعيد لتعظيم شأنهم ورفعة مكانتهم، وبيان أن كل فضيلة من الفضيلتين (الاستقامة على الهدى، ونيل الفلاح المطلق) تستوجب إشارة مستقلة للتنويه بأهلها.
التنكير في {هُدًى} وإضافته إلى الرب {مِّن رَّبِّهِمْ}: تنكير الهدى للتعظيم؛ أي على هدى عظيم باهر، وإسناده إلى صفة التربية والإحسان {مِّن رَّبِّهِمْ} للإشعار بأن هذا الهدى منة إلهية ورعاية ربانية خاصة حفتهم حتى ثبتوا على الحق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة حصر الفلاح في المؤمنين وتجريد غيرهم منه: يزعم العلمانيون أن الفلاح والنجاح في الحياة يمكن أن يتحقق لمن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تفرق الآية بين "النجاح الدنيوي المؤقت" و"الفلاح التام الأبدي"؛ فالملحد قد ينجح في اختراع آلة أو جمع ثروة لكنه نجاح محدود بأجل الموت القريب، فإذا مات انقطع كل شيء وواجه خسران الأبد، أما "الفلاح" بصيغة الحصر والتعريف {هُمُ الْمُفْلِحُونَ} فهو الفوز الذي يجمع سعادة الضمير والعيش الطيب في الدنيا مع الخلود الأبدي والنجاة في دار الجزاء، وهذا محال عقلاً وواقعاً أن يناله إلا من استقام على هدى ربه.