قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية علي بن أبي طلحة عند الطبري (20/140)مصدر غير محدد٢٠/١٤٠: «{وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} يقول: لا تتكبر، ولا تحقر عباد الله، ولا تُعرض بوجهك عنهم إذا كلموك تكبراً واستحقاراً، ولكن أَلِن جانبك وتواضع لهم».
وقال مجاهد وعكرمة وقتادة: «هو الرجل يلوى عنقه ويصرف وجهه إذا كلمه أحد كأنه يحتقره أو يعانده، فأمر بالتواضع وبسط الوجه».
وفي قوله {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا}: قال ابن كثير (6/339)مصدر غير محدد٦/٣٣٩: «المرح: التبختر والبطر والخيلاء والفرح الزائد المذموم، كمن يرى نفسه فوق الناس، فنهاه عن مشية الجبابرة والمتكبرين».
تفسير {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} بالأثر:
قال ابن جرير: «المختال: المتكبر في مشيته وسلوكه المعجب بنفسه وهيئته، والفخور: الذي يفخر على الناس بما أوتي من نعمة أو مال أو جاه متطاولاً عليهم».
ويشهد للآية الحديث الصحيح عند البخاري (رقم 5789)مصدر غير محددحديث رقم ٥٧٨٩ ومسلم (رقم 2088)مصدر غير محددحديث رقم ٢٠٨٨ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ، مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ (ممشط شعره)، إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ الأَرْضَ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
وعند مسلم (رقم 91)مصدر غير محددحديث رقم ٩١ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ»، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة، قال: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
تُصَعِّرْ: من الصَّعَر، وهو داء يأخذ الإبل في أعناقها ورؤوسها فيلويها حتى تصير معوجة يابسة لا تستقيم، فاستعير للرجل المتكبر الذي يميل عنقه ووجهه استكباراً واستعلاءً على الخلق. وقرئ في السبع: {تُصَعِّرْ} بالتشديد للتكثير والتعدية، و{تُصَاعِرْ} بالألف من المفاعلة.
{خَدَّكَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والكاف ضمير متصل في محل جر مضاف إليه.
{لِلنَّاسِ}: جار ومجرور متعلقان بتصعر، واللام للعلة أو لتبيين المفعول به.
{وَلَا تَمْشِ}: الواو عاطفة، {لَا}: ناهية جازمة، {تَمْشِ}: فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة (الياء)، والكسرة دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{فِي الْأَرْضِ}: جار ومجرور متعلقان بتمش.
{مَرَحًا}: مصدر في موضع الحال (أي حال كونك مرحاً متبختراً)، أو مفعول لأجله (أي لأجل المرح والبطر)، أو مفعول مطلق لنوع المشي.
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}: {إِنَّ}: حرف توكيد ونصب، {اللَّهَ}: اسمها منصوب، {لَا}: نافية، {يُحِبُّ}: مضارع مرفوع، وفاعله مستتر، والجملة خبر إن، {كُلَّ}: مفعول به منصوب، {مُخْتَالٍ}: مضاف إليه مجرور، {فَخُورٍ}: نعت لمختال مجرور.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من إصلاح المجتمع إلى الآداب السلوكية وضبط الكبر:
بعد أن كلف الابن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر، كان مظنة أن يقع المصلح أو الداعية في فخ "العجب النفسي" والاستعلاء على الناس الذين يعلمهم وينهاهم، فيرى نفسه فوقهم فضلاً وطهارة.
فجاء هذا النهي الصارم ليحصن قلب المصلح وسلوكه من آفة الغرور والكبر، مبيناً أن الداعية الحقيقي هو أشد الناس تواضعاً ولين جانب وانكساراً للحق وللخلق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تهدم الآية هذا الاستعلاء بصورة بلاغية غاية في التقبيح؛ فشبهت حركة المتكبر بداء "الصَّعَر" الذي يصيب رقبة البعير؛ فالمتكبر الذي يظن نفسه عظيماً إنما هو في ميزان العقل مشوه كالجمل الأجرب المصاب بالتواء العنق!
ثم إن كل ما يملكه الإنسان من جاه أو علم أو ثروة هو هبة محضة من الله، فكيف يفخر العاقل بما ليس منه، وكيف يستعلي وهو مخلوق من نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة وهو بينهما يحمل العذرة؟!
إن استحقار الناس والخيلاء في المشي دليل على خفة العقل ونقص الرجولة وعقدة النقص الدفين التي يحاول المتكبر سترها بهذا التظاهر الأجوف.
الاستعارة التصريحية أو التمثيلية في {تُصَعِّرْ خَدَّكَ}:
تصوير الحركة النفسية الداخلية الباطنة للكبر بحركة جسدية منفردة مقيتة؛ وهي لوي العنق والخد، مما يجعل السامع ينفر من هذا السلوك غاية النفور.
العموم والاستغراق في {كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}:
دخول "كل" في سياق النفي يفيد الشمول والقطع؛ فلا يحظى أي مختال فخور بمحبة الله مهما كانت مكانته الدنيوية أو سلالته.
التدبر الإشاري:
التواضع لله هو تاج العبودية؛ وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله في قلوب الخلق وأعلى مقامه في الملأ الأعلى، بينما الكبر يسلب العبد حلاوة الإيمان ومحبة الرحمن.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
دعوة المربين والعلماء إلى التواضع مع المدعوين والإنصات إليهم بالوجه الكامل، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حدثه أحد أقبل عليه بكليته ووجهه الشريف ولم يصرف وجهه حتى ينصرف المتحدث.