قال ابن جرير الطبري (20/144)مصدر غير محدد٢٠/١٤٤: «يقول تعالى: ومن يفرد طاعته وعبادته لله، ويخلص له دينه، ويوجه وجهه وقصده إليه، {وَهُوَ مُحْسِنٌ} في عمله متبع فيه لأمر الله وشرعه، فقد ثبت على الحق واستمسك بأوثق سبب ينجو به من عذاب الله».
ونقل ابن كثير (6/341)مصدر غير محدد٦/٣٤١ عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة: «{إِسْلَامُ الْوَجْهِ}: الإخلاص لله والانقياد لأمره، و{هُوَ مُحْسِنٌ}: متبع للرسول صلى الله عليه وسلم، وهذان هما شرطا قبول العمل؛ إخلاص القصد لله، ومتابعة الشريعة، فمن جمع بينهما فقد استمسك بالعروة الوثقى».
تفسير {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ} بالأثر:
قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: «العروة الوثقى: هي كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، التي لا انفصام لها».
وقال السدي وقتادة: «هو الإسلام والحبل المتين الموصل لرضوان الله والجنة».
وفي قوله {وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}: قال السعدي (ص 650)مصدر غير محدد٦٥٠: «أي مصيرها ومرجعها، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
يُسْلِمْ وَجْهَهُ: الإسـلام: الاستسلام والانقياد والإذعان، وتخصيص الوجه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء ومجمع الحواس وظاهر الإنسان، فإذا انقاد الوجه وخضع انقاد سائر الجسد بالضرورة.
العُرْوَة: مأخوذة من عرو الشجر وهو ما يبقى منه في الجدب فتتعلق به الماشية وتعتصم، وفي الأواني والدلاء: المقبض الذي يمسك به.
الوثقى: مؤنث "الأوثق"، من الوثاقة والإحكام والشدة التي لا يعتريها انقطاع ولا انفكاك.
الإعراب والوجوه النحوية:
{وَمَن}: الواو استئنافية، {مَنْ}: اسم شرط جازم مبني في محل رفع مبتدأ.
{يُسْلِمْ}: فعل مضارع مجزوم بإن وهو فعل الشرط، وفاعله ضمير مستتر تقديره هو.
{وَجْهَهُ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة، والهاء مضاف إليه.
{إِلَى اللَّهِ}: جار ومجرور متعلقان بيسلم، وضمن يسلم معنى يفوض ويوجه، وقرئ في غير السبع (يسلم وجهه لله) باللام.
{وَهُوَ مُحْسِنٌ}: الواو حالية، {هُوَ}: مبتدأ، {مُحْسِنٌ}: خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل يسلم.
{فَقَدِ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، {قَدْ}: حرف تحقيق، وحركت الدال بالكسر لالتقاء الساكنين.
{اسْتَمْسَكَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو.
{بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ}: الباء حرف جر، العروة اسم مجرور متعلقان باستمسك، {الْوُثْقَىٰ}: نعت مجرور بكسرة مقدرة للتعذر، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وجملتا الشرط والجواب خبر المبتدأ من.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة التامة بين حال المقلدين وحال المخلصين:
لما عرض في الآية السابقة صورة أهل التقليد الأعمى المتدحرجين إلى عذاب السعير: {أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ}، قابلها مباشرة ببيان طريق النجاة الأوحد: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ}، ليبرز التباين المطلق بين من يمسك بحبال الشيطان الواهية ومن يعتصم بحبل الله والعروة الوثقى التي لا تنفصم أبداً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كفاية النية الطيبة بدون اتباع الشرع (الروحانية الهلامية المعاصرة): يزعم بعض دعاة العصر الحديث أن "الإيمان في القلب" والنية الطيبة تكفي للنجاة، ولا داعي للالتزام بأحكام الشريعة وفرائضها وقيودها.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تفحم الآية هذه الدعوى بربط النجاة بركنين متلازمين لا يقبل أحدهما بغير الآخر:
{وَهُوَ مُحْسِنٌ}: وهو الصواب العملي في موافقة الشريعة والسنة النبوية.
فالنية بلا عمل صالح عبث وخداع للنفس، والعمل بلا إخلاص رياء وهباء منثور؛ ومجازاة العباد تقوم على العاقبة الربانية التي تحكم بعدل: {وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}.
الاستعارة التمثيلية البديعة في {اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ}:
صور حال الموحد المخلص في دنياه بحال من يتدلى في هوة سحيقة مظلمة أو يواجه طوفاناً جارفاً، فأمسك بحبل وثيق متين مشدود إلى قمة جبل راسخ، فهو في منجاة تامة من السقوط والهلاك؛ بينما المشرك كمن يتعلق بخيوط عنكبوت واهية.
الزيادة في مبنى {اسْتَمْسَكَ}:
صيغة الاستفعال تفيد قوة الطلب وشدة التشبث والاعتصام؛ فالمؤمن لا يمسك إمساكاً ضعيفاً بل يستمسك بكل قواه وعزيمته.
التدبر الإشاري:
تمام الراحة النفسية في تفويض الأمور لله بعد بذل الوسع؛ فمن أسلم وجهه لله كفاه الله هموم الدنيا وأثقالها، واستقر قلبه لعلمه أن عواقب الأمور كلها بيد الحكيم العليم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
دعوة الناس إلى تحقيق ركني قبول العمل: الإخلاص والمتابعة، والتنفير من البدع والخرافات مهما زُينت بدعوى النوايا الطيبة.
التوجيه التربوي:
غرس قيمة الاستسلام التام والانقياد لحكم الله في نفوس الأبناء والمتربين، وتعويدهم على ترك الاعتراض على النصوص الشرعية.
التوجيه العملي:
تجديد الإخلاص في كل عمل يومي (في الدراسة، الوظيفة، الإنفاق، العبادة)، والحرص على تعلم هدي النبي صلى الله عليه وسلم وتطبيقه بدقة.
الوجدان الإيماني:
السكينة العميقة والطمأنينة المطلقة؛ لثقة المؤمن بأنه متمسك بعروة وثيقة لا تنكسر ولا تخونه عند نزول الشدائد والملمات.