قال ابن جرير الطبري (20/145)مصدر غير محدد٢٠/١٤٥: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ومن كفر يا محمد بالله ورسوله وما جئتهم به من الحق، فلا يحزنك كفره وإعراضه عنك وعن قبول نصيحتك، فإنك لست عليهم بمسيطر ولا موكلاً بهدايتهم قسراً؛ {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} بعد مماتهم ومصيرهم يوم القيامة، فنخبرهم بقبيح أعمالهم ونجازيهم عليها بما يستحقون».
وقال ابن كثير (6/341)مصدر غير محدد٦/٣٤١: «يسلي تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم عن كفر من كفر به من قومه وغيرهم، أي لا تأسف عليهم ولا يحزنك تكذيبهم؛ فإن مصيرهم إلى الله ولا يفوته منهم أحد، وسيجازيهم على أعمالهم بأعدل جزاء».
تفسير {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} بالأثر:
قال قتادة والسعدي: «عليم بما تكنه صدورهم وتخفيه ضمائرهم من الكفر والنفاق والعداوة والغل، فكيف بما ظهر من أعمالهم وأقوالهم؟! فلا يغيب عنه شيء من سرهم وعلنهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
ذَاتِ الصُّدُورِ: المراد بها الخفايا والنوايا والوساوس المستقرة الملازمة للقلوب في الصدور، وسميت "ذات الصدور" لملازمتها لها كصاحبة الشيء.
الإعراب والوجوه النحوية:
{وَمَن كَفَرَ}: الواو عاطفة، {مَنْ}: اسم شرط جازم مبني في محل رفع مبتدأ، {كَفَرَ}: فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، وفاعله مستتر.
{فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، {لَا}: ناهية جازمة، {يَحْزُنكَ}: مضارع مجزوم بالسكون، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، {كُفْرُهُ}: فاعل مرفوع بالضمة، والهاء مضاف إليه، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كمال التقسيم والعدالة الإلهية:
بعد أن ذكر مصير المستمسكين بالعروة الوثقى في الآية السابقة، ذكر هنا مصير الفريق المقابل وهم الكفار المعرضون، وتوجه بالخطاب المسلي لقلب النبي صلى الله عليه وسلم لئلا ينفطر فؤاده حسرة وأسى على عناد المعاندين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إحباط المصلح وتأنيب الضمير عند إخفاق المدعوين: قد يشعر الداعية أو المربي بالإحباط القاتل والشعور بالفشل إذا لم يستجب له من يدعوهم من أهله أو مجتمعه.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تضع الآية المنهج النفسي الرصين للداعية؛ فالمسؤولية الإنسانية تقف عند حدود "البلاغ المبين والنصح الصادق"، أما الهداية والتوفيق فهما بيد الله وحده.
الحزن المفرط على كفر المعاندين مضيعة للجهد والطاقة ومخالف للحكمة الربانية؛ إذ الله سبحانه جعل الدنيا دار ابتلاء واختيار، وجعل الحساب والجزاء عنده يوم يرجع الجميع إليه، فليطمئن قلب المصلح ويواصل رسالته دون يأس.
إسناد الحزن إلى الكفر مجازاً؛ أي لا تجعل كفرهم سبباً يجلب لك الحزن والهم، وفيه رعاية إلهية فائقة لقلب النبي صلى الله عليه وسلم.
التذييل المحكم بـ {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}:
برهان عقلي يقطع طمع المنافقين والكفار في التملص من الجزاء؛ فالذي يعلم أدق الحركات الوجدانية التي لم تنطق بها الشفاه، محيط قطعاً بأعمال الجوارح الظاهرة وسيحاسبهم عليها بتمام العدل.
التدبر الإشاري:
طهارة الباطن هي محط نظر الله؛ فالله لا ينظر إلى صور الناس ولا إلى أموالهم، ولكن ينظر إلى قلوبهم وأعمالهم، فالمعول عليه هو سريرة القلب وذات الصدر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
حماية الدعاة من داء الاحتراق النفسي واليأس؛ والتركيز على أداء الواجب بأمانة والتوكل على الله في النتائج.
التوجيه التربوي:
تعليم الآباء والمربين التوازن النفسي إذا انحرف أحد الأبناء بعد بذل النصح والتربية؛ فلا يجلد المربي نفسه بغير حق بعد أداء ما عليه من بلاغ وإحسان.
التوجيه العملي:
تفتيش القلب وتطهيره من أمراض الباطن (الحسد، الحقد، الرياء، الكبر)؛ لأن الله عليم بذات الصدور وسيفضح السرائر يوم تبلى السرائر.
الوجدان الإيماني:
الرضا التام بقضاء الله، والراحة النفسية العميقة لليقين بأن حساب الخلق موكول إلى ربهم العادل العليم.