أخرج ابن جرير الطبري (20/151)مصدر غير محدد٢٠/١٥١ وابن أبي حاتم عن عكرمة ومجاهد أن قريشاً (أبي بن خلف والعاص بن وائل والوليد بن المغيرة) قالوا: «يا محمد، تزعم أن الله خلقنا أطواراً في بطون أمهاتنا نطفة ثم علقة ثم مضغة، ثم يعيدنا جميعاً بعد أن نبلى في ساعة واحدة؟! إن هذا لشيء عجيب! كيف يقدر على خلقنا وبعثنا جميعاً ونحن أمم لا تحصى؟!»، فأنزل الله تعالى: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}.
أقوال أئمة التفسير بالأثر:
قال الطبري (20/151): «يقول تعالى ذكره: ما خلقكم أيها الناس جميعاً من أولكم إلى آخركم، ولا إحياؤكم بعد مماتكم للبعث والنشور، إلا كهيئة خلق نفس واحدة وبعثها؛ لا يتعاصى عليه شيء، ولا يشغله شأن عن شأن؛ إنما يقول له إذا أراد كُن فيكون».
ونقل ابن كثير (6/344)مصدر غير محدد٦/٣٤٤: «أي ما قدرته تعالى على جميع الناس بالنسبة إلى قدرته على نفس واحدة إلا سواء، كما قال تعالى: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}، وقال: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ}».
وفي قوله {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}: قال قتادة والسعدي: «سميع لجميع الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات لا يشغله سمع عن سمع، بصير بجميع المرئيات ودبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء؛ فكما يسمع كلامهم جميعاً في آن واحد ويبصرهم جميعاً في آن واحد، فكذلك يخلقهم ويبعثهم جميعاً بكلمة واحدة».
(20/151)مصدر غير محدد٢٠/١٥١
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
البَعْث: إثارة الشيء من مستقره وإحياؤه بعد موته، وبث الروح في الأجساد بعد فنائها.
كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ: الكاف للتشبيه التمثيلي، ونفس مفردة للدلالة على السهولة والتساوي المطلق في القدرة.
الإعراب والوجوه النحوية:
{مَّا}: نافية مهملة لانتقاض النفي بإلا.
{خَلْقُكُمْ}: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والكاف ضمير متصل في محل جر مضاف إليه، والميم للجمع.
{كَنَفْسٍ}: الكاف اسم بمعنى مثل في محل رفع خبر المبتدأ خلقكم، أو حرف جر والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر (أي إلا كخلق نفس واحدة)، {نَفْسٍ}: اسم مجرور بالكاف أو مضاف إليه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تناسب الآية مع سعة علم الله وكلماته:
لما قرر في الآية السابقة أن كلمات الله لا تنفد ولو كانت أشجار الأرض أقلاماً وبحارها مداداً، أتبع ذلك ببيان كمال "القدرة التكوينية" المقارنة لكمال "العلم التدويني".
فالمشركون الذين استبعدوا البعث قاسوا قدرة الخالق على قدرة المخلوق العاجز؛ فجاءت الآية لتقرر بديهة عقلية: أن القدرة الإلهية المطلقة لا تتجزأ ولا تتفاضل بالنسبة للمقدورات؛ فالأمر بالنسبة له في خلق بلايين البشر وبعثهم كالأمر في خلق ذرة واحدة!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة القياس الفاسد لقدرة الخالق على قدرة المخلوق في مسألة البعث: يزعم الملاحدة والمشركون أن كثرة الأعداد وتناثر مليارات الجثث يستلزم جهداً ووقتاً ووسائل معقدة لا يمكن تصور حدوثها في لحظة واحدة.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تفضح الآية مغالطة "القياس التمثيلي الفاسد"؛ فالمخلوق إذا صنع كرسياً احتاج إلى وقت، وإذا صنع مئة كرسي احتاج إلى أضعاف الوقت والجهد؛ لأن طاقته محدودة وحركته ميكانيكية متتابعة.
أما الخالق سبحانه فلا يعالج الأشياء بحركة ولا جوارح ولا آلات مادية، وإنما فعله بإرادة جازمة وأمر مطلق: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}؛ فنسبة المليارات إلى كن كنسبة الواحد إلى كن بلا أي تفاوت.
ثم إن ختم الآية بـ {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} يقدم دليلاً مشهوداً: فأنتم ترون أن الله يسمع مليارات الأصوات في لحظة واحدة دون أن يتداخل صوت في صوت، فمن وسع سمعه وبصره كل ذرة، فكيف تعجز قدرته عن بعث كل جسد؟!
أسلوب القصر والحصر بالنفي والاستثناء {مَّا... إِلَّا}:
قصر صعوبة خلق وبعث البشرية جمعاء على سهولة خلق نفس واحدة قصراً حقيقياً؛ لنسف كل توهم بالعجز أو المشقة.
التنكير في {نَفْسٍ وَاحِدَةٍ}:
تنكير تقليل؛ لإبراز غاية السهولة واليسر على القدرة الإلهية.
التدبر الإشاري:
كما أن خلق البشرية كلها وبعثها كنفس واحدة، فكذلك في الحساب والجزاء؛ سيقف كل إنسان أمام ربه فرداً كأنه وحده في ساحة المحشر: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا}، فلا تشغل نفسك بالناس واهتم بنجاتك الفردية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):