قال الطبري (20/143)مصدر غير محدد٢٠/١٤٣: «يقول تعالى: وإذا قيل لهؤلاء المشركين المجادلين في الله بغير علم: اتبعوا ما أنزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن والهدى، قالوا: لا نتبع ذلك، بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا من عبادة الأوثان وسبيل الضلال، فقال الله موبخاً لهم ومسفهاً لعقولهم: أيتبعون آباءهم ولو كان الشيطان يدعو آباءهم بطاعتهم إياه في الشرك إلى عذاب السعير في جهنم؟!».
وقال ابن كثير (6/341)مصدر غير محدد٦/٣٤١: «أي: ليس لهم حجة إلا اتباع الآباء الأقدمين بالتقليد الأعمى، والآباء لم يكونوا على هدى، بل كانوا متبعين لوساوس الشيطان الذي قادهم إلى نار الجحيم».
وقال السعدي (ص 649)مصدر غير محدد٦٤٩: «وهذا من أقبح التقليد؛ إذ تركوا ما أنزل الله من الحق والبرهان واتبعوا ما وجدوا عليه أسلافهم، والداعي الحقيقي لآبائهم هو الشيطان، فهل يليق بعاقل أن يتبع داعي النار؟!».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
السَّعِير: النار الموقدة الشديدة الالتهاب والتأجج؛ من سعرت النار إذا أوقدتها وهيجتها.
التقليد: وضع القلادة في العنق، والمراد به قبول قول الغير بلا حجة ولا برهان كأن المقلد وضع عنقه في حبل غيره يقوده أينما شاء.
{اتَّبِعُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
{مَا أَنزَلَ اللَّهُ}: {مَا}: اسم موصول في محل نصب مفعول به، {أَنزَلَ اللَّهُ}: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، وجملة {اتَّبِعُوا...} في محل رفع نائب فاعل لقيل مقول القول.
{مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا}: {مَا}: مفعول به لنتبع، {وَجَدْنَا}: فعل وفاعل، {عَلَيْهِ}: جار ومجرور متعلقان بوجدنا، {آبَاءَنَا}: مفعول به أول لوجدنا أو مفعوله إن كانت بصرية، و(نا) مضاف إليه، والجملة صلة ما.
{يَدْعُوهُمْ}: مضارع مرفوع والفاعل مستتر والهاء مفعول به، والجملة في محل نصب خبر كان.
{إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بيدعوهم، وجواب لو محذوف دل عليه ما قبله (أي: أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم؟!).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بيان علة المجادلة بالباطل المذكورة في الآية السابقة:
لما بيّن في الآية السابقة أن المشرك {يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ}، كشفت هذه الآية عن المستند الوحيد لهؤلاء المجادلين؛ وهو "العصبية والتقليد الأعمى للموروث الباطل".
ثم فضح السياق المآل الفظيع لهذا التقليد؛ وهو الانقياد لمخطط الشيطان المؤدي إلى عذاب السعير.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تقديس التراث الموروث والعادات القبلية أو القومية على حساب الحق: يتذرع أهل الباطل في القديم والحديث بالحفاظ على "الهوية التاريخية والتراث القومي للآباء والأجداد"، رافضين الاحتكام إلى الوحي والحقائق العقلية.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تجرد الآية العقل البشري من خرافة "عصمة الأقدمين"؛ فالأبوة والسبق الزمني ليسا دليلاً منطقياً على صحة المعتقد، وإلا لكان الجهل الأول حجة على العلم اللاحق!
إن السؤال الفاحص الحاسم: {أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ} يهز وجدان العاقل هزاً عنيفاً؛ فهل يرضى إنسان ذو عقل أن يلقي بنفسه في حريق مؤبد لمجرد أن أباه أو جده ألقى بنفسه فيه قبله؟!
إن حرية العقل الحقيقية تكمن في تحريره من التبعية للأهواء الموروثة والانقياد للبرهان العقلي والوحي الرباني المعصوم.
يفيد رد أمر الله ورفضه في وقاحة واعتداد بالباطل، وإعلان الإصرار التام على اتباع الآباء مهما كانت الدلائل.
الاستفهام الإنكاري التعجيبي في {أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ}:
تصوير غاية الغباء الإنساني حين يتحول التابع إلى دمية بيد عدوه الألد (الشيطان) يقوده بسلاسة إلى محرقة السعير وهو يظن أنه يحافظ على تراث آبائه.
التدبر الإشاري:
التقليد المذموم ليس خاصاً بعبدة الأصنام؛ بل يشمل كل من قدم رأي مذهبه أو حزبه أو شيخه أو فكره السياسي على صريح كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم دون بينة ولا برهان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
كسر حواجز التقليد الموروث والمفاهيم العرفية الخاطئة بلطف وحكمة، وإعادة الناس إلى مرجعية "ما أنزل الله".
التوجيه التربوي:
تدريب الطلاب والناشئة على التفكير النقدي المنضبط بالشرع، وعدم قبول الأفكار والظواهر لمجرد أنها شائعة أو ورثوها عن البيئة المحيطة.
التوجيه العملي:
مراجعة العادات الاجتماعية والأعراف والتقاليد وعرضها على ميزان الكتاب والسنة؛ فما وافق الشرع قبل وما خالفه نبذ ولو أجمع عليه أهل الأرض.
الوجدان الإيماني:
الخوف الشديد من استدراج الشيطان ومكره، والاعتزاز بالانتماء لمنهج الوحي المعصوم الذي يعصم من نار السعير.