أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره (1/205-214)مصدر غير محدد١/٢٠٥ بسنده عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم: «{الم} وأشباهها حروف مقطعة من حروف الهجاء، أسماء للسور، وفواتح افتتح الله بها كتابه، وهي سر من أسرار الله في القرآن استأثر بعلمه، وقيل: هي دلالة على إعجاز القرآن؛ إذ رُكّب من هذه الحروف التي ينطق بها العرب ويتحدثون بها، ثم عجزوا عن معارضته والإتيان بسورة من مثله».
ونقل ابن كثير (1/157)مصدر غير محدد١/١٥٧: «المختار عند المحققين من أئمة التفسير أن هذه الحروف ذكرت في أوائل السور بياناً لإعجاز القرآن، وتحدياً للعرب الفصحاء أهل البلاغة واللسان، فكأنه يقول: هذا الكتاب مؤلف من جنس هذه الحروف المقطعة التي تتخاطبون بها، فإن كان من عند غير الله فأتوا بمثله، فلما عجزوا دل على أنه تنزيل من حكيم حميد».
القراءات وضبط التلاوة:
قرأ القراء العشرة بسكون أواخر الحروف الثلاثة: (ألفْ، لامْ، ميمْ)، مع مد "لام" مداً لازماً حرفياً مثقلاً (ست حركات) لإدغام ميمها في ميم ميم، ومد "ميم" مداً لازماً حرفياً مخففاً (ست حركات) لعدم الإدغام بعدها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
أسماء الحروف مبنية على السكون ما لم يركب معها عامل؛ فنطقت بأسمائها لا بمسمياتها: (ألف، لام، ميم).
الإعراب والوجوه النحوية:
{الم}: اسم سورة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وخبره الجملة بعدها {تَنزِيلُ الْكِتَابِ}، أو هو خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هذه الم).
وقيل: منصوب بتقدير فعل محذوف: (اتلُ الم)، أو مفعول به لقسم مقدر: (أقسم بألم).
وقيل: لا محل لها من الإعراب لأنها مسرودة على سبيل التحدي والتنبيه كأسماء الأصوات.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سر الافتتاح بالحروف المقطعة:
افتتحت السورة بالحروف المقطعة لقرع أسماع المشركين المنصرفين عن سماع القرآن؛ إذ كانوا يتواصون: {لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}.
فلما سمعوا صوتاً غريباً مفردات مقطعة لا عهد لهم بها في كلامهم المعتاد، أنصتوا رغماً عنهم، فقرعت أسماعهم الحقيقة الكبرى: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ}.
المناسبة مع سورة لقمان السابقة:
افتتحت سورة لقمان بـ {الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ}، وافتتحت سورة السجدة بـ {الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ}، لتآخي السورتين في الاستهلال الإعجازي، وتكاملهما في بيان أوصاف الكتاب؛ فهو في لقمان "حكيم" وفي السجدة "منزه عن الريب منزل من رب العالمين".
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة بشرية القرآن واقتباسه من الثقافات السابقة: يزعم المستشرقون والملاحدة أن النبي صلى الله عليه وسلم ألف القرآن بنفسه أو نقله عن بحيرا الراهب وكتب أهل الكتاب.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تضع الحروف المقطعة العقل البشري أمام معضلة منطقية لا حل لها عند منكري النبوة؛ فالقرآن معجز في نظمه، ومعانيه، وبلاغته، وتشريعاته، وأنبائه الغيبية، ومواده الأولية هي هذه الحروف الثمانية والعشرون التي يتكلم بها العرب صباح مساء!
فلو كان القرآن من تأليف بشر لتمكن فصحاء قريش وشعراؤهم — وهم أحرص الناس على إسقاط دعوة النبي صلى الله عليه وسلم — من تأليف سورة واحدة تضاهيه، خصوصاً وهم أهل الفصاحة والبيان.
وعجز البشرية قاطبة على مدار خمسة عشر قرناً عن معارضة أقصر سورة منه دليل عقلي قاطع لا يقبل الشك على أن مصدره ليس العقل البشري، بل هو تنزيل من رب العالمين.
الحروف المقطعة تحدث هزة شعورية في النفس، فتقطع سلسلة الغفلة والتشتت الذهني، وتهيئ السامع لتلقي الوحي بجلال وهيبة.
التدبر الإشاري:
عجزك أيها الإنسان عن معرفة أسرار ثلاثة أحرف تقرؤها بلسانك ينبغي أن يقودك إلى التواضع العلمي والاستسلام المطلق لعظمة المتكلم بها سبحانه؛ فمن عجز عن سر الحروف فهو عن إدراك كنه الذات والصفات أشد عجزاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
استعمال أساليب الجذب والإثارة والتشويق في مطلع الخطاب الدعوي لكسب انتباه المخاطبين وكسر حواجز اللامبالاة.
التوجيه التربوي:
تعليم الأبناء تعظيم كتاب الله، وتدريبهم على تلاوة الحروف المقطعة بأحكام التجويد والمدود الصحيحة المتوارثة بالسند المتصل.
التوجيه العملي:
الإنصات التام عند سماع القرآن الكريم: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.
الوجدان الإيماني:
استشعار هيبة كلام الله في القلب، واقشعرار الجلد لجمال إعجازه وعظمة تنزيله.