قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص106)جامع البيانالطبري٢٠/١٠٦ وابن كثير (ج6/ ص338)مصدر غير محدد٦/٣٣٨: «يقول تعالى ذكره: هذا الكتاب الحكيم نزل دلالة ورشداً وبياناً يقي من الضلالة، ورحمة لمن آمن به وعمل بما فيه من عباده المحسنين؛ الذين أحسنوا العمل في طاعة ربهم، وأحسنوا في عبادته كأنهم يرونه».
ونقل ابن كثير عن قتادة: «القرآن هدى ورحمة للمؤمنين خاصة؛ يهديهم في الدنيا إلى صراط مستقيم، ويرحمهم في الآخرة بالنجاة من العذاب ودخول الجنان».
القراءات في {هُدًى وَرَحْمَةً}:
قرأ الجمهور (نافع، ابن كثير، أبو عمرو، عاصم، ابن عامر) بالنصب فيهما {هُدًى وَرَحْمَةً}؛ على الحال من {آيَاتُ الْكِتَابِ}، أو مفعول لأجله.
وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب بالرفع فيهما {هُدًى وَرَحْمَةٌ}؛ على أنهما خبر لمبتدأ محذوف تقديره "هو هدى ورحمة"، أو خبر ثانٍ لاسم الإشارة {تِلْكَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«هُدًى»: الرشاد والدلالة الواضحة الموصلة إلى البغية والمثمرة لسعادة الدارين.
«الْمُحْسِنِينَ»: جمع محسن، وهو من بلغ رتبة الإحسان في العبادة والمعاملة، وأتقن عمله لوجه الله.
الإعراب والتركيب النحوي:
{هُدًى}: حال منصوبة بفتحة مقدرة على الألف للتنوين من {آيات الكتاب}، أو مفعول لأجله (أي لأجل الهدى والرحمة)، وعلى قراءة الرفع خبر لمبتدأ محذوف.
{وَرَحْمَةً}: معطوف على هدى منصوب بالفتحة الظاهرة (أو مرفوع على قراءة الرفع).
{لِّلْمُحْسِنِينَ}: اللام حرف جر للاختصاص، المحسنين مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف نعت لـ {هدى ورحمة}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تخصيص الهدى والرحمة بالمحسنين مع أن القرآن نزل للناس كافة:
القرآن في أصله هدى عام لجميع الثقلين دلالة وإرشاداً: {هُدًى لِّلنَّاسِ}.
ولكنه خُص هنا بـ {الْمُحْسِنِينَ}: {هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ}؛ لأنهم هم الفئة الوحيدة التي فتحت قلوبها لنور الوحي، وانقادت لأحكامه، فانتفعت بهديه وتنعمت برحمته، فصار الهدى نافعاً ومختصاً بهم واقعاً وثمرة.
الاقتران بين الهدى والرحمة: الهدى نور في العقل والبصيرة يرشد إلى الطريق، والرحمة فضل وبركة وسكينة تغمر النفس وتجلب النجاة في الدارين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة حرمان غير المحسنين من رحمة القرآن وهدايته: قد يظن ظان أن تخصيص المحسنين بالرحمة تحكم أو حجر على الآخرين.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
الحرمان لم ينشأ من نقص في هداية القرآن، بل نشأ من إعراض المعرض وعناد الكافر؛ فالمطر النازل من السماء رحمة عامة تحيا بها الأرض الطيبة، أما الأرض السبخة الصلبة فلا تنبت شيئاً لعيب في ذاتها لا في المطر؛ فالمحسن هو الأرض الطيبة التي استقبلت هدى القرآن فأثمرت رحمة وإيماناً.
التنكير في {هُدًى وَرَحْمَةً}: تنكير التعظيم والتفخيم؛ أي هدى لا يماثله هدى، ورحمة واسعة تعم كل مناحي الحياة المعنوية والروحية والأخروية.
المصدرية في {هُدًى}: استخدام المصدر للمبالغة؛ كأن القرآن صار هو عين الهدى والرحمة المتجسدة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الترقي إلى مقام الإحسان: حث المسلم على ألا يقف عند حد الإسلام الظاهر أو الإيمان المجرد، بل يترقى إلى مرتبة الإحسان؛ ليكون أهلاً لنيل هداية القرآن الخاصة وغمائم رحمته.
إتقان العمل وإحسان العبادة: أن يحسن العبد في صلاته، وفي معاملته للناس، وفي كل شأن من شؤونه ابتغاء مرضاة الله.