قال ابن جرير الطبري (20/157)مصدر غير محدد٢٠/١٥٧: «يقول تعالى ذكره: يا أيها الناس جميعاً خافوا عقاب ربكم واجتنبوا معاصيه بطاعته وإفراده بالعبادة، {وَاخْشَوْا يَوْمًا} وهو يوم القيامة الذي لا يقضي فيه والد عن ولده شيئاً من الحقوق والمظالم والذنوب، ولا مولود هو قاضٍ عن والده شيئاً؛ كل نفس بما كسبت رهينة، وكل مشتغل بنفسه قائلاً: نفسي نفسي!».
ونقل ابن كثير (6/346)مصدر غير محدد٦/٣٤٦: «هذا وعيد هائل وتخويف من يوم القيامة، حيث تنقطع العلائق والوشائج، وتفر النفوس من أقرب الأقربين، كما قال تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}، فلا يحمل والد عن ولده خطيئة، ولا يفتدي ولد والده بحسنة واحدة».
تفسير {الْغَرُورُ} بالأثر الصحيح:
قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك: «{الْغَرُورُ} هو الشيطان الرجيم؛ يغر ابن آدم ويمنيه ويعده الأماني الكاذبة، ويزين له التسويف وطول الأمل حتى يأتيه الموت وهو على باطله».
وعن سعيد بن جبير: «هو أن يصر العبد على الذنب ويتمنى على الله المغفرة، فيقول: ربي غفور رحيم وهو لا يتوب، فهذا اغترار بالشيطان».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
يَجْزِي: الجزاء: القضاء والإغناء والكفاية؛ يقال: جزى عني هذا الشيء أي أجزأ عني وكفاني وقضى حاجتي، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بردة في الأضحية: «تَجْزِي عَنْكَ وَلَا تَجْزِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ».
الغَرُور: بفتح الغين: صيغة مبالغة للشيطان أو كل مضل خداع يغر غيره بالأباطيل. أما الغُرور بالضم فهو المصدر (الخداع والأوهام الزائفة).
الإعراب والوجوه النحوية:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ}: يا أداة نداء، أي منادى مبني على الضم في محل نصب، والهاء للتنبيه، والناس عطف بيان أو بدل مرفوع بالضمة.
{اتَّقُوا رَبَّكُمْ}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، وربكم مفعول به، والكاف مضاف إليه.
{وَاخْشَوْا يَوْمًا}: الواو عاطفة، فعل أمر وفاعل، {يَوْمًا}: مفعول به منصوب لا ظرفاً؛ لأن الخشية واقعة على اليوم وأهواله ذاته.
{لَّا يَجْزِي وَالِدٌ}: جملة فعلية منفية في محل نصب نعت ليوماً، والضمير الرابط محذوف تقديره (فيه)، والد فاعل مرفوع بالضمة.
{عَن وَلَدِهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بيجزي.
{وَلَا مَوْلُودٌ}: الواو عاطفة، لا نافية لتأكيد النفي، مولود مبتدأ مرفوع بالضمة، وسوغ الابتداء بالنكرة وقوعها في سياق النفي.
{هُوَ}: ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ ثانٍ أو توكيد لمولود أو ضمير فصل.
{جَازٍ}: خبر هو (أو خبر مولود) مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين والتنوين تنوين عوض.
{عَن وَالِدِهِ}: متعلقان بجاز.
{شَيْئًا}: مفعول به لاسم الفاعل جاز (أو مفعول مطلق نائب عن المصدر أي شيئاً من الجزاء)، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية لا يجزي والد.
{فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}: الفاء فصيحة، لا ناهية جازمة، تغرنكم مضارع مبني على الفتح في محل جزم لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وحركت الميم بالضم لالتقاء الساكنين، والكاف مفعول به مقدم، والحياة فاعل مؤخر، والدنيا نعت مرفوع بضمة مقدرة.
{وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ}: معطوف على ما قبله، والغرور فاعل مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
خاتمة الإنذار الإلهي في السورة:
بعد أن استوفت السورة كل وسائل الإقناع؛ بالحكمة النبوية الصالحة (لقمان)، والآيات الكونية في السماء والأرض والبحر، وتعرية عناد المشركين وجهالاتهم، التفت السياق إلى ذروة الإنذار بـ "المشهد الأخروي المهيب".
وخص الوالد والولد بالذكر هنا لتناسبه الدقيق مع صدر السورة؛ حيث بدأت السورة بوصايا والد حكيم مشفق على ولده {يَا بُنَيَّ}، وبوصية الله بالإحسان للوالدين، فبينت هنا أن هذه الرابطة الوالدية العظيمة الشديدة التلاحم ستعجز يوم القيامة عن افتداء بعضها، فلا والد ينفع ولده ولا ولد ينقذ والده!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاتكال على شفاعة الآباء والأنساب الصالحة (الخلاص العرقي والطبقي): يعتقد كثير من أتباع الأديان والمبتدعة أن انتسابهم إلى آباء صالحين أو سلالات شريفة يغنيهم عن العمل الصالح وينجيهم من عذاب الله.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تقطع الآية دابر هذه الأوهام بتقرير قاعدة المسؤولية الفردية الأخلاقية الصارمة: {لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا}.
فنوح عليه السلام لم يغنِ عن ابنه الكافر، وإبراهيم عليه السلام لم يغنِ عن أبيه آزر، ومحمد صلى الله عليه وسلم قال لعشيرته وأقربائه: «يَا فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً».
ميزان الآخرة يقوم على العدل والحق: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}، والأنساب تنقطع في ساحة العرض على الله.
في حق الأب قال: {لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ} بجملة فعلية خفيفة، وفي حق الابن قال: {وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ} بالجملة الاسمية المقترنة بضمير الفصل {هُوَ} واسم الفاعل {جَازٍ}؛ لأن الابن مظنة أن يطلب منه نجدة أبيه وبره وقضاء ديونه في الدنيا، فأكد بالصيغة الاسمية الحاصرة أنه في ذلك اليوم أشد عجزاً وفراراً من غيره.
التحذير المزدوج بالنهي المؤكد بالنون:
{فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ}؛ حذر أولاً من فتنة "المتاع الدنيوي المحسوس"، ثم حذر ثانياً من "المخادع الباطني" وهو الشيطان وحيله وتسويفه.
التدبر الإشاري:
أعظم الغرور بالله أن تقيم على معصيته وأنت ترجو رحمته بغير توبة ولا عمل؛ فإن الرجاء الصادق ما قارنه العمل، أما الرجاء بلا عمل فهو أمنية المغرورين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):