قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص106)جامع البيانالطبري٢٠/١٠٦ وابن كثير (ج6/ ص338)مصدر غير محدد٦/٣٣٨: «يقول تعالى ذكره: هذه الآيات التي نتلوها عليك في هذه السورة هي آيات القرآن ذي الحكمة البالغة؛ المحكم الذي فُصلت آياته وأُحكمت أحكامه وشرائعه فلا يلحقه خلل ولا تناقض ولا باطل، الحكيم الذي يحكم بين الناس بالعدل، وينطق بالحكمة الصافية التي تهدي للتي هي أقوم».
وروى الطبري عن قتادة ومجاهد: «الكتاب الحكيم: هو القرآن؛ أحكم الله فيه أمره ونهيه، وحلاله وحرامه، وخبر ما قبله وخبر ما بعده».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«تِلْكَ»: اسم إشارة للبعيد، واستعماله هنا للإشارة إلى آيات السورة الحاضرة تنـزيلاً لها منـزلة البعيد لعلو شأنها ورفعة قدرها في الشرف والمنـزلة.
«الْحَكِيمِ»: فعيل بمعنى فاعل ومفعول معاً؛ فهو "مُحْكَم" أُحكمت آياته وبناؤه وأحكامه فلا يتطرق إليه نقص، وهو "حاكِم" يحكم بين الخلائق بالحق، و"ذو حكمة" بالغة تفيض بالنور والعدل والهداية.
الإعراب والتركيب النحوي:
{تِلْكَ}: تي اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب.
{آيَاتُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو مضاف.
{الْكِتَابِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
{الْحَكِيمِ}: نعت للكتاب مجرور بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الإشارة بـ {تِلْكَ} للبعيد دلالة على العلو والرفعة: لم يقل "هذه آيات" بل قال {تِلْكَ}؛ لتربية المهابة في قلب السامع بأن هذا القرآن في أفق علوي سامٍ لا تناله أيدي التحريف ولا تدانيه بلاغة البشر.
وصف الكتاب بـ {الْحَكِيمِ} في مستهل سورة الحكمة (لقمان): هذا التناسب النظمي في غاية الإعجاز؛ فالسورة تسوق قصة لقمان وما آتاه الله من "الحكمة" في وعظ ابنه، فبدأت بوصف الكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بأنه "الكتاب الحكيم"؛ ليدل على أن منبع الحكمة الأول والمصدر المعصوم للحكمة هو هذا القرآن، فكل حكمة ينطق بها حكيم إنما هي قبس من نور هذا الكتاب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة دعوى التناقض أو التحريف في القرآن: يثير المشككون شبهات حول أحكام القرآن وناسخه ومنسوخه زاعمين الاضطراب.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
يرد القرآن بوصفه الذاتي الصارم: {الْحَكِيمِ}؛ فالإحكام العقلي والتشريعي في القرآن يتجلى في كمال انسجام مبادئه مع الفطرة، وملاءمته لكل زمان ومكان، وعدم وجود أي تعارض بين آياته على مدار قرون متطاولة، كما قال تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}؛ فالكتاب الحكيم برهان عقلي قائم بذاته على حكمة منزله سبحانه.
المجاز العقلي في وصف الكتاب بـ «الْحَكِيمِ»: إسناد الحكمة إلى الكتاب (وهو كلام مقروء) مجاز عقلي بديع؛ لأن الحكيم في الأصل هو العاقل المتصف بالحكمة، فوصف الكتاب بها لكثرة ما اشتمل عليه من الحكم والأحكام، فكأنه كائن حي حكيم يرشد السالكين.
الإشارة التدبرية: من لازم تلاوة الكتاب الحكيم وتدبر آياته، سرت الحكمة في لسانه وجوارحه وتصرفاته، وصار موفقاً مسدداً في شؤون حياته كلها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاعتصام بالقرآن في معالجة القضايا الفكرية والتربوية: جعل القرآن هو المرجع الحاكم في تقويم الأفكار وتربية الأجيال؛ لأنه كلام الحكيم الخبير.
التحلي بالحكمة في الدعوة إلى الله: التأسي بالقرآن الحكيم؛ فلا يدعو المسلم بجهل أو غلظة، بل بالحكمة والموعظة الحسنة ووضع الأمور في نصابها الصحيح.