قال الإمام الطبري (جامع البيان، ج20/ ص116)جامع البيانالطبري٢٠/١١٦ وابن كثير (ج6/ ص343)مصدر غير محدد٦/٣٤٣: «يقول تعالى ذكره مقرعاً للمشركين ومفحماً لهم بحجة قاطعة: هذا الذي عددته عليكم من خلق السماوات والأرض، ونصب الجبال الرواسي، وبث الدواب، وإنزال المطر وإنبات النبات هو خلق الله وصنعته وقدرته، فأروني أيها المشركون ماذا خلقت آلهتكم وأوثانكم وأندادكم التي تعبدونها من دون الله من السماوات أو الأرض؟! هل خلقوا دابة أو أنبتوا شجرة أو أجروا نهراً؟! كلا لم يخلقوا شيئاً، فكيف تعبدون من لا يخلق شيئاً وتسوونه بالخالق العظيم؟! بل هؤلاء المشركون الظالمون لأنفسهم في ذهاب عن الحق وخطأ ظاهر جلي لا خفاء به».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
«هَٰذَا»: اسم إشارة للحاضر المشاهد من بدائع الكون المذكورة في الآية السابقة.
«فَأَرُونِي»: أمر تعجيز وإفحام من أرى يري.
«ضَلَالٍ مُّبِينٍ»: الضلال هو الانحراف والبعد عن الصراط المستقيم، والمبين الظاهر الواضح لكل ذي عقل.
الإعراب والتركيب النحوي:
{هَٰذَا}: ها للتنبيه، ذا اسم إشارة مبتدأ.
{خَلْقُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، وهو مضاف.
{اللَّهِ}: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور للتعظيم.
{فَأَرُونِي}: الفاء فصيحة، أروني فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والنون للوقاية والياء مفعول به أول.
{مَاذَا}: ما اسم استفهام مبتدأ، وذا موصولة خبر، أو ماذا كلها اسم استفهام مفعول به مقدم لـ {خلق}.
{خَلَقَ}: فعل ماض مبني على الفتح.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل لـ {خلق}.
{مِن دُونِهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بمحذوف صلة الموصول، وجملة الاستفهام معلقة لفعل الرؤية في محل نصب سدت مسد المفعولين الثاني والثالث.
{بَلِ}: حرف إضراب وانتقال.
{الظَّالِمُونَ}: مبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
{فِي ضَلَالٍ}: جار ومجرور شبه جملة خبر المبتدأ.
{مُّبِينٍ}: نعت لضلال مجرور بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الإلزام العقلي الحاسم بعد سرد الدلائل الكونية: بعد أن بسط في الآية السابقة خمسة مشاهد كونية هائلة (السماء، الجبال، الدواب، المطر، النبات)، وقف السياق هنا وقفة التحدي والمواجهة الحاسمة: {هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ}؛ فأشار إلى هذا الكون بأسره كمعرض حي وبرهان ناصع، ثم رتب بالفاء الفصيحة أمر التعجيز: {فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ}.
الإضراب بـ {بَلِ} للحكم بالضلال المبين: لما علم عجزهم التام وانقطاع حجتهم وخرس ألسنتهم عن إبراز أي خلق لآلهتهم، أضرب عن مطالبتهم بحجة إلى تسجيل الحكم القضائي الإلهي النافذ عليهم: {بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}؛ أي إن استمرارهم في الشرك ليس لجهل بالدليل، بل لتمكن الظلم والضلال المبين من قلوبهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة دعوى المساواة بين الأديان وتبرير التعددية الشركية: يروج البعض أن عبادة الأوثان أو تعظيم القوى الأرضية مجرد وجهات نظر دينية مقبولة.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
ينسف القرآن هذا المنطق العبثي؛ فالألوهية تستلزم عقلاً "الخلق والإيجاد والقدرة"؛ فمن عجز عن خلق ذبابة أو شجرة فكيف يُرفع إلى رتبة الألوهية ويُعبد مع خالق الأكوان؟! إنه انحدار عقلي سافل يستحق وصفه بـ {ضَلَالٍ مُّبِينٍ}؛ فلا مساواة بين الخالق الذي ملأ الوجود بآياته، وبين مخلوقات عاجزة لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً.
أسلوب الإشارة والتعجيز: الإشارة بـ {هَٰذَا} إشارة مشاهدة وعيان وحضور، وأمر {فَأَرُونِي} تعجيز قاهر يخرس كل خصم ومبطل.
الإشارة التدبرية: كل كائن تراه في هذا الكون يحمل ختماً إلهياً لا يُمحى: "صنع الله الذي أتقن كل شيء"؛ فكيف يغفل القلب عن رؤية الصانع وهو يشهد الصنعة في كل رمشة عين؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قوة الداعية واعتزازه بحجج التوحيد: مخاطبة المشككين والملاحدة بمنطق التحدي العقلي الصريح؛ فاسألهم: من خلق هذا الكون العجيب؟ ومن صمم الخلية والحمض النووي؟ ومن أقام السماء بغير عمد؟! ليعلموا عجز أصنامهم ونظرياتهم المادية التائهة.
تنزيه القلب عن كل شريك وند: إفراد الله بالحب والخوف والرجاء؛ فما دام هو الخالق وحده لكل ما في الوجود، فلا يُرجى إلا فضله، ولا يُتوكل إلا عليه سبحانه وتعالى.