قال ابن جرير الطبري (20/153)مصدر غير محدد٢٠/١٥٣: «يقول تعالى ذكره: هذا الذي فعلت أيها الناس من إيلاجي الليل في النهار وإيلاجي النهار في الليل، وتسخيري الشمس والقمر يجريان إلى أجل مسمى، لتعلموا وتستيقنوا أن الله هو الإله الحق الذي لا تجوز الألوهية إلا له، وأن كل ما يدعو المشركون من دونه من الأوثان والأنداد والشفعاء هو الباطل الذي لا حقيقة له ولا نفع فيه ولا ضر، وأن الله هو العلي على كل شيء بذاته وقهره وقدرته، الكبير الذي كل شيء دونه صغير حقير».
ونقل ابن كثير (6/345)مصدر غير محدد٦/٣٤٥: «أي: إنما أظهر آياته وسخر مخلوقاته ليدل على أنه الإله الحق الموجود الثابت الدائم الذي لا يزول، وأن ما سواه باطل لا يملك لنفسه ولا لعابديه شيئاً؛ وهو العلي الذي لا أعلى منه، الكبير الذي لا أكبر منه، وكل شيء خاضع لعظمته وكبريائه».
وقال السعدي (ص 650)مصدر غير محدد٦٥٠: «{ذَٰلِكَ}: أي التدبير البديع الدال على كمال القدرة والعلم، {بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ}: في ذاته وأسمائه وصفاته ودينه وشرعه، وألوهيته هي الحق الواجب، وكل معبود سواه باطل مضمحل».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
الحَقّ: الثابت الذي لا يزول ولا يتغير، والواجب الوجود بذاته، والمطابق للواقع والعدل التام.
البَاطِل: الزائل الهالك الذي لا حقيقة له ولا ثبات، وما لا يقوم على أصل ولا يثمر نفعاً.
الكَبِير: العظيم الجليل الذي كل عظيم في الكون حقير وصغير أمام كبريائه وجلاله.
الإعراب والوجوه النحوية:
{ذَٰلِكَ}: اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب.
{بِأَنَّ اللَّهَ}: الباء حرف جر، {أَنَّ}: حرف توكيد ونصب ومصدري، {اللَّهَ}: اسمها منصوب، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ ذلك.
{هُوَ}: ضمير فصل لا محل له من الإعراب، أو ضمير مبتدأ.
{الْحَقُّ}: خبر أن مرفوع بالضمة (أو خبر المبتدأ هو والجملة خبر أن).
{وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ}: معطوف على أن الأولى، {مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب اسم أن، {يَدْعُونَ}: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة صلة الموصول، وقرئ في السبع بالياء {يَدْعُونَ} وبالتاء {تَدْعُونَ}.
{مِن دُونِهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بحال محذوفة من مفعول يدعون المحذوف (أي يدعونه كائناً من دونه).
{الْبَاطِلُ}: خبر أن مرفوع بالضمة الظاهرة.
{وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}: معطوف أيضاً، وأن واسمها، وهو ضمير فصل، والعلي خبرها الأول، والكبير خبرها الثاني.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النتيجة العقدية الكبرى من براهين الآفاق:
بعد أن استعرضت الآيات السابقة طائفة هائلة من الآيات الكونية (خلق السماوات بغير عمد، إلقاء الرواسي، تسخير ما في السماوات والأرض، إيلاج الليل والنهار، تسخير الشمس والقمر)، جاءت هذه الآية كـ "النتيجة البرهانية الحتمية" لكل تلك المقدمات.
فالمقصود من كل هذا العرض الكوني ليس مجرد الترف الفكري والمعرفي، بل هو تحقيق التوحيد الخالص، وإثبات أن المعبود المستحق وحده هو الله، وأن كل وثن وفكرة ومبدأ يدعى من دونه فهو باطل وسراب خادع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الشرك الليبرالي المعاصر ومساواة الأديان والعقائد (وحدة الوجود والتعددية الدينية المطلقة): تروج الحداثة المعاصرة لفكرة أن جميع المعبودات والمذاهب حق، وأن كل إنسان يملك "حقيقته الخاصة"، ولا يوجد باطل مطلق ولا حق مطلق.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تقرر الآية بحسم منطقي قاطع الفصل التام بين معسكرين لا يلتقيان:
{اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ}: الحقيقة المطلقة الثابتة الوحيدة في الوجود.
{وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ}: كل ما عداه من آلهة مزعومة أو أيديولوجيات وضعية باطل لا أصل له.
الجمع بين النقيضين (الحق والباطل) مستحيل عقلاً؛ فالحق واحد لا يتعدد في جوهره، ومشركو قريش وملاحدة العصر يتبعون أوهاماً لا تملك لنفسها حياة ولا نشوراً.
وإذا كان الله هو العلي الكبير، فكيف يسوي العاقل بين العلي الكبير وبين مخلوقات ترابية عاجزة فانية؟!
أسلوب الحصر بضمائر الفصل {هُوَ الْحَقُّ} و{هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}:
إفادة قصر الحق والعلو والكبرياء المطلق على الله تعالى قصراً تاماً، ونفي ذلك عن كل ما سواه.
تعريف الجزأين (المبتدأ والخبر):
{هُوَ الْحَقُّ}، {هُوَ الْبَاطِلُ}؛ تعريف الطرفين يفيد كمال اتصاف المبتدأ بالخبر؛ فالله كامل الحقانية، وما سواه كامل البطلان والزوال.
التدبر الإشاري:
كل ارتباط بغير الله هو استمساك بالباطل وسرعان ما ينقطع وينهار، وكل ارتباط بالله هو استمساك بالحق الذي يدوم ويخلد وينفع صاحبه في الدنيا والبرزخ ويوم الدين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):