هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا
هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا
تفتتح السورة بسؤال تقريري يرجع بالإنسان إلى ما قبل وجوده: {هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الأولى من سورة الإنسان، أن {هَلْ} هنا بمعنى "قد"، وأن المعنى: قد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً يُذكر. وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في هذه الآية: أتى على آدم حين من الدهر وهو تراب وطين قبل أن يُنفخ فيه الروح؛ وروى عن قتادة: كان شيئاً ولم يكن مذكوراً. وذكر خلاف أهل التأويل في المراد بـ"الإنسان": أهو آدم عليه السلام أم جنس بني آدم؟ ورجّح أن اللفظ يشمل الجنس؛ إذ كل واحد قد مرّ عليه زمان لم يكن فيه شيئاً. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير مطلع سورة الإنسان، على أن المراد أنه كان شيئاً منسياً لا يُعرف ولا يُذكر لحقارته وضعفه. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن {هَلْ} إذا وقعت في الخبر أفادت التقرير، وأنها هنا بمعنى التقرير والتنبيه لا الاستفهام الحقيقي. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الأولى من سورة الإنسان، أن الافتتاح بهذا الأسلوب من أبلغ ما يُستلّ به الكبر من نفس المخاطب؛ إذ يُواجه بأنه لم يكن شيئاً، قبل أن يُطالب بشيء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تتصل هذه الآية بخاتمة سورة القيامة قبلها اتصال البيان بالإجمال؛ فقد قيل هناك: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ}، فرجعت هذه السورة إلى ما هو أسبق من النطفة نفسها، وهو العدم أو الطين الذي لا يُذكر. ثم تلتها الآية الثانية بذكر مادة الخلق: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ}؛ فترتب النظم على ثلاث مراحل: عدم لا يُذكر، فنطفة ممتزجة، فسمع وبصر. ثم الآية الثالثة بالهداية والاختيار. فالسورة تبني من الأساس صعوداً؛ وهذا البناء التصاعدي هو الذي يجعل الخطاب اللاحق في الجزاء مقبولاً عند العقل.