إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا
إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا
يبدأ المقصد الأعظم من السورة بوصف شراب الأبرار: {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الخامسة من سورة الإنسان، أن "الأبرار" جمع "بَرّ" أو "بارّ"، وهم أهل الطاعة والصدق مع الله؛ وأن {كَافُورًا} اختلف فيه أهل التأويل: فقال قوم: هو الكافور المعروف الطيب الرائحة البارد؛ وقال آخرون منهم مجاهد وقتادة: هو اسم عين في الجنة يقال لها الكافور، بدليل الآية بعدها: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ}. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن شراب الأبرار يُمزج بالكافور لتطييب رائحته وتبريده. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن العرب تسمي الإناء إذا كان فيه شراب "كأساً"، فإذا خلا من الشراب لم يُسمَّ كأساً. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الخامسة من السورة، أن ذكر الشراب أولاً قبل سائر أصناف النعيم لأنه أول ما يُتلقى به القادم من سفر، والقيامة موقف طويل يُظمئ.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل السياق من الوعيد الموجز إلى الوعد المفصّل؛ وبدأ بالشراب لأنه أول ما تشتاق إليه النفس بعد هول الموقف. ثم جاءت الآية بعدها لتبيّن مصدر هذا الشراب: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا}؛ فبُيّن المورد بعد ذكر المشروب. ثم انتقل بعد ذلك إلى ذكر أعمالهم التي استحقوا بها ذلك: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ}. وهذا الترتيب بديع: عُرض الجزاء أولاً ليشتاق السامع، ثم ذُكر الثمن؛ فتقبله النفس وهي راغبة.