يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا
يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا
يبدأ بيان أعمالهم التي استحقوا بها ذلك النعيم: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السابعة من سورة الإنسان، أن المعنى: يوفون بما أوجبوه على أنفسهم من طاعة الله؛ وروى عن قتادة ومجاهد: يوفون بالنذر في طاعة الله؛ وذكر أن من أهل التأويل من عمّم فقال: يوفون بما فرض الله عليهم. وفي {مُسْتَطِيرًا} روى عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد: فاشياً منتشراً. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الوفاء بالنذر أمارة الوفاء بما هو ألزم منه من الفرائض؛ فمن وفّى بما ألزم به نفسه فهو بما ألزمه الله به أوفى. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن النذر الذي يُوفّى به هو نذر الطاعة، وأما نذر المعصية فلا وفاء فيه؛ وقد ثبت في السنة عن عائشة رضي الله عنها عند البخاري في "صحيحه"، كتاب الأيمان والنذور، باب النذر في الطاعة، أن النبي ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه". وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآية، أن الجمع بين الوفاء والخوف جمع بين قوة العزيمة وحضور الرقابة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية أول ما ذُكر من أعمالهم؛ فقُدّم الوفاء بالنذر على الإطعام مع أن الإطعام هو المشهور في هذه السورة؛ لأن الوفاء عمل قلبي التزامي يسبق العمل الظاهر. ثم عُطف عليه الخوف؛ فاجتمع لهم عمل وقلب. ثم جاءت الآية بعدها بذكر الإطعام؛ فتمّ الترتيب: التزام، فخوف، فبذل. ثم قُوبل خوفهم هنا بقوله بعد ذلك: {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ}؛ فالجزاء من جنس العمل حرفاً بحرف: خافوا الشر فوُقوا الشر.