إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا
إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا
تنتقل الآية من العدم إلى المادة الأولى وغاية الخلق: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية من سورة الإنسان، أن {أَمْشَاجٍ} جمع "مشج" أو "مشيج"، ومعناه المختلط؛ وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما: هو ماء الرجل وماء المرأة يختلطان؛ وعن مجاهد وقتادة والحسن نحوه؛ وروى عن آخرين: أن الأمشاج هي الأطوار المتعاقبة من نطفة إلى علقة إلى مضغة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الأمشاج هي الأخلاط، وأن المراد امتزاج الماءين. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {نَّبْتَلِيهِ} في موضع الحال؛ أي خلقناه مريدين ابتلاءه بالتكليف. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآية، أن الله ذكر ابتداء خلق الإنسان من ماء مهين ليعرف نفسه، ثم ذكر إنعامه عليه بالسمع والبصر ليقوم بشكر ما أُنعم به عليه. وذكر ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثانية من السورة، أن ذكر السمع والبصر دون سائر الحواس لأنهما آلتا تلقي الوحي والنظر في الآيات؛ فهما أداتا الابتلاء المذكور قبلهما.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الآية جواباً عملياً للسؤال التقريري في الآية قبلها؛ فبعد أن قُرّر أنه لم يكن شيئاً مذكوراً، بُيّن كيف صار مذكوراً: بخلق من نطفة ممتزجة ثم بمنحه السمع والبصر. ثم أُتبعت بالآية الثالثة: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ}؛ فتمّت أركان التكليف الثلاثة: مادة تُخلق، وآلات تُدرك، وطريق يُبيّن. ولا يستقيم تكليف إلا بهذه الثلاثة مجتمعة؛ فالنظم يقيم بناء المسؤولية لبنة لبنة.