وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا
وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا
ينتقل الوصف إلى خدمة الشراب: {وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الخامسة عشرة من سورة الإنسان، أن المعنى: يُدار عليهم بأوعية من فضة وبأكواب كانت في صفائها كالقوارير مع أنها من فضة. وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ليس في الجنة شيء إلا وقد أُعطيتم في الدنيا شبهه إلا قوارير من فضة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن هذه الأواني جمعت بين صفاء الزجاج وبياض الفضة، وهو أمر لا نظير له في الدنيا. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن "الكوب" هو القدح الذي لا عروة له ولا خرطوم، بخلاف الإبريق. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الخامسة عشرة من السورة، أن بناء الفعل للمجهول في {وَيُطَافُ} يفيد الاعتناء بالمطاف عليهم دون الطائفين؛ فالمقصود تصوير أنهم مخدومون.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل السياق من نعيم يتناولونه بأيديهم إلى نعيم يُحمل إليهم؛ فترقّى الوصف من التمكين إلى الخدمة. وقد جاء ذكر الآنية قبل ذكر ما فيها من شراب؛ إذ الأصل في المجالس أن يُرى الإناء قبل أن يُذاق ما فيه. ثم أُتبعت بالآية بعدها التي تفصّل حقيقة هذه الأكواب: {قَوَارِيرَا مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا}؛ فالآيتان جملة واحدة قُطّعت لبيان الوصف على مهل. ثم جاء بعدهما ذكر الشراب نفسه: {وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا}.