وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا
وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا
يُصرَّح بسبب الجزاء ونوعه: {وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية عشرة من سورة الإنسان، أن المعنى: وأثابهم بصبرهم على طاعة الله وعن معصيته وعلى ما نالهم من الشدة، بستاناً يسكنونه ولباس حرير يلبسونه. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الله جازاهم على صبرهم بالجنة مسكناً والحرير لباساً، وأن هذا مقابل لما تركوه في الدنيا من التنعم وما احتملوه من الجوع والإيثار. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن ذكر الحرير هنا مناسب لما ثبت من تحريمه على الرجال في الدنيا؛ فمن تركه امتثالاً أُعطيه في الآخرة. وقد ثبت النهي عن لبس الحرير للرجال في حديث حذيفة رضي الله عنه عند البخاري في "صحيحه"، كتاب اللباس، باب لبس الحرير، ومسلم في "صحيحه"، كتاب اللباس والزينة، وفيه أن النبي ﷺ نهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة وعن لبس الحرير والديباج، وقال: "هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة". وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآية، أن الباء في {بِمَا صَبَرُوا} للسببية؛ فالصبر هو الثمن المصرّح به.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الجزاء بعد جزاء النفس والوجه في الآية قبلها؛ فترقّى العطاء من الوقاية والنضرة إلى المسكن واللباس. وقد صُرّح هنا بالسبب {بِمَا صَبَرُوا} بعد أن أُشير إليه إشارة في الآيات السابقة؛ فذُكرت أعمالهم أولاً، ثم لُخّصت كلها في كلمة واحدة هي "الصبر"؛ إذ الوفاء بالنذر صبر، والخوف صبر، والإطعام على حبه صبر، وترك طلب الجزاء والشكور صبر. ثم فُصّل نعيم الجنة بعدها في آيات متتابعة؛ فكانت هذه الآية عنواناً لما بعدها.