وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا
وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا
يستمر وصف النعيم بذكر الظلال والثمار: {وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الرابعة عشرة من سورة الإنسان، أن المعنى: قريبة منهم ظلال أشجارها، وسُخّرت ثمارها لهم تسخيراً فهم يتناولونها كيف شاؤوا. وروى عن البراء بن عازب رضي الله عنه وقتادة ومجاهد في {وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا}: أنها تُذلَّل لهم فيتناولها القائم والقاعد والمضطجع. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن أغصان الجنة قريبة التناول، لا يمنع أحداً منها بُعد ولا شوك ولا مشقة. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {دَانِيَةً} منصوبة على الحال عطفاً على {مُّتَّكِئِينَ}، وأن أصل التذليل التسخير والتطويع. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآية، أن اجتماع دنو الظل وتذليل القطف يرفع عنهم كل مشقة في تحصيل اللذة؛ فالنعيم مبذول لا مطلوب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): عُطفت الحال على الحال؛ فاجتمع لهم الاتكاء والظل الداني والقطف المذلل. ومناسبة الآية لما قبلها ظاهرة: لما نُفيت الشمس ذُكر الظل؛ ليُعلم أن الظل نعمة مستقلة لا مجرد وقاية. ثم أُتبعت بالآية بعدها في الطواف عليهم بالآنية: {وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ}؛ فانتقل السياق من الثمر المتناوَل بأيديهم إلى الشراب المحمول إليهم؛ فتدرج من نعيم يُتناول إلى نعيم يُقدَّم.