فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا
يُبنى على تقرير التنزيل أمران متلازمان: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الرابعة والعشرين من سورة الإنسان، أن المعنى: فاصبر يا محمد لقضاء ربك فيك وفيهم، ولا تطع منهم من هو آثم في فعله أو كفور في اعتقاده. وذكر أن أهل التأويل قالوا في {آثِمًا أَوْ كَفُورًا}: هما وصفان لصنفين؛ أو وصفان قد يجتمعان في واحد. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المراد: اصبر على أذاهم ولا تلتفت إلى ما يدعونك إليه، واستمر على تبليغ ما أُنزل إليك. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن اللام في {لِحُكْمِ رَبِّكَ} للتعليل أو بمعنى "على"؛ والمعنى: اصبر لأجل حكمه، أو اصبر على ما حكم به. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآية، أن الصبر لحكم الله يشمل الصبر على حكمه الشرعي بامتثاله، وعلى حكمه القدري بعدم التسخط منه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الفاء فصيحة تربط الأمر بما قبله؛ فبعد أن تقرر أن القرآن منزَّل من الله، لزم الصبر على ما يقتضيه. ثم عُطف عليه النهي عن طاعة الآثم والكفور؛ فاجتمع أمر بالثبات ونهي عن الميل. ثم أُتبع بالآيتين بعده في الذكر والسجود والتسبيح؛ فتم المنهاج: صبر، وعدم موافقة، وذكر دائم. وهذا هو المنهاج نفسه المرسوم في سورة المزمل: {وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} ثم {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ}؛ فبين السورتين توافق في بناء التربية.