وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا
وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا
يُذكر الصنف الثاني من شرابهم: {وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السابعة عشرة من سورة الإنسان، أن العرب كانت تستطيب الشراب الممزوج بالزنجبيل لما فيه من لذع لطيف وطيب رائحة، فوُصف به شراب أهل الجنة على ما يعرفون. وروى عن قتادة ومجاهد نحو ذلك. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الله ذكر مزاج الكأس بالكافور تارة وبالزنجبيل تارة؛ والكافور بارد والزنجبيل حارّ؛ ليتم الاعتدال في الشراب على اختلاف الأحوال. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن أهل اليمين يُمزج لهم، وأن المقربين يشربون صرفاً؛ وهو قول لبعض أهل التأويل. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية السابعة عشرة من السورة، أن ذكر الزنجبيل بعد الكافور من تنويع اللذات؛ إذ تكرار اللذة الواحدة يُملّ، وتنويعها يجدد الرغبة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الشراب بعد وصف الأواني؛ فتم ترتيب المشهد: الإناء ثم ما فيه. وبين هذه الآية وبين قوله في أول المقطع: {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا} تناظر تام في التركيب واختلاف في المزاج؛ فالأولى بالكافور البارد والثانية بالزنجبيل الحارّ. ثم أُتبعت بذكر مصدرها كما أُتبعت الأولى: {عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلًا}؛ فالبناء متوازٍ بين المقطعين توازياً دقيقاً.