وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا
وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا
يأتي وصف عملهم الظاهر الأشهر: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثامنة من سورة الإنسان، أن الضمير في {حُبِّهِ} يعود على الطعام؛ أي على شهوتهم له وحاجتهم إليه؛ وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة ومجاهد نحو ذلك. وذكر قولاً آخر: أن الضمير يعود على الله؛ أي على حب الله. ورجّح الأول لقربه في اللفظ ودلالة السياق عليه. وفي {أَسِيرًا} روى عن قتادة ومجاهد: أنهم كانوا يومئذ أهل الشرك، وعن الحسن وسعيد بن جبير: هو المسجون من أهل القبلة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الأسير في ذلك الزمان كان من المشركين، وأن إطعامه من كمال البِرّ. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن في الآية دليلاً على الإحسان إلى الأسير وإن كان كافراً؛ وأن العرب كانوا يوصون بالأسير. وأما ما ذُكر في سبب نزول هذه الآيات من قصة مبسوطة، فقد نبّه المحققون من أهل صناعة الحديث على ضعف إسنادها، والأصل المعتمد أن العبرة بعموم اللفظ؛ فالآية وصف لكل من قام بهذا العمل من الأبرار.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الإطعام بعد الوفاء بالنذر والخوف؛ فترتب النظم من الالتزام الباطن إلى البذل الظاهر. ثم أُتبع بحكاية قولهم في الآية بعدها: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ}؛ فبُيّن الباعث بعد بيان الفعل؛ إذ لا قيمة للبذل بلا نية. ثم قيل بعد ذلك: {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ}؛ فكان الجزاء وقايةً مقابل ما وقّوا به غيرهم من الجوع. وفي ترتيب المطعَمين لطيفة: بدأ بالمسكين وهو أعمّهم، ثم اليتيم وهو أضعفهم، ثم الأسير وهو أبعدهم عن قلوبهم؛ فتدرج من الأقرب إلى الأبعد.