قَوَارِيرَا مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا
قَوَارِيرَا مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا
تُفصَّل حقيقة تلك الأكواب: {قَوَارِيرَا مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السادسة عشرة من سورة الإنسان، أن المعنى: قوارير من فضة، أي بياضها بياض الفضة وصفاؤها صفاء القوارير؛ وفي {قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا} روى عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة: قدّروها على قدر ريّهم لا تزيد ولا تنقص؛ وذكر قولاً آخر: أن الذين قدّروها هم الطائفون بها من الخدم، وقيل: قدّرها لهم أهل الجنة على قدر شهوتهم. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: جاءت على قدر ما تشتهي أنفسهم لا أزيد ولا أنقص؛ وهذا من تمام النعمة. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الضمير في {قَدَّرُوهَا} يحتمل العود على الخدم أو على أهل الجنة أو على الملائكة. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآية، أن موافقة المقدار للرغبة أبلغ في اللذة من الزيادة عليها؛ فالفائض عن الحاجة ثقل لا نعمة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية إتماماً للوصف الذي بدأ في الآية قبلها؛ فقد قيل هناك {كَانَتْ قَوَارِيرَا} فبقي في النفس سؤال عن مادتها، فأُجيب هنا: {قَوَارِيرَا مِن فِضَّةٍ}. وفي إعادة اللفظ نفسه في مطلع الآية ربط محكم بين الآيتين. ثم أُتبعت بذكر الشراب في الآية بعدها: {وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا}؛ فبعد استيفاء وصف الإناء ذُكر ما فيه؛ وهذا ترتيب المشاهدة نفسه.