نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ ۖ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا
نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ ۖ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا
يُذكّرون بأصل خلقهم وبالقدرة على إبدالهم: {نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ ۖ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثامنة والعشرين من سورة الإنسان، أن {أَسْرَهُمْ} معناه خَلْقهم؛ وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة: أحكمنا خلقهم وأتقنّاه؛ وذكر أن "الأسر" شدّ المفاصل بعضها إلى بعض. وفي {بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ} روى عن السلف: أهلكناهم وجئنا بقوم آخرين أطوع لله منهم. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: نحن خلقناهم وقوّينا بنيتهم، ولو شئنا لأذهبناهم وأتينا بقوم غيرهم. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الأسر في اللغة الشدّ والربط؛ ومنه سُمي الأسير لأنه يُشدّ بالقِدّ. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثامنة والعشرين من السورة، أن الاحتجاج عليهم بإحكام خلقهم أبلغ من الاحتجاج بمجرد خلقهم؛ إذ من أتقن التركيب فهو على النقض والإعادة أقدر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية جواباً على غفلتهم المذكورة في الآية قبلها؛ فبعد أن ذُكر إيثارهم العاجلة، ذُكّروا بأن الذي خلقهم وأحكم خلقهم قادر على إذهابهم. ثم أُتبعت بالآية بعدها: {إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ}؛ فبعد التهديد فُتح باب النجاة. وفي مطلع السورة قيل: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ}، وفي هذا الموضع قيل: {نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ}؛ فعاد السياق إلى ما بدأ به؛ وهذا من إحكام بناء السورة.