إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا
إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا
تكتمل أركان التكليف ببيان الهداية والاختيار: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثالثة من سورة الإنسان، أن المعنى: بيّنا له طريق الخير وطريق الشر ودللناه عليهما؛ وروى عن مجاهد: هو كقوله {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما: بيّنا له سبيل الهدى والضلال. وذكر قولاً آخر: أن المراد خروجه من بطن أمه؛ ورجّح الأول لموافقته سياق التكليف. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المراد بيان الطريق وإيضاحه بإرسال الرسل وإنزال الكتب. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} حال مقدرة؛ أي هديناه في حال كونه مقدَّراً أن يصير إلى أحد الأمرين. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثالثة من السورة، أن الهداية المذكورة هنا هداية دلالة وبيان لا هداية توفيق وإلجاء؛ بدليل تفريع الحالين المتقابلين عليها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تمّ بهذه الآية بناء المقطع الأول من السورة؛ فقد ذُكر العدم، ثم الخلق والإدراك، ثم البيان والاختيار. وبعد أن انقسم الناس إلى قسمين في هذه الآية، جاءت الآيات التالية على هذا التقسيم نفسه: فذُكر جزاء الكفور في آية واحدة: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا}، ثم فُصّل جزاء الشاكرين في ثمانية عشر آية. فهذه الآية هي مفصل السورة الذي انبنى عليه كل ما بعدها.