إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ
هذه هي القاعدة الكبرى التي دارت عليها السورة؛ والمعنى: إن ربك يا محمد لبالمرصاد لمن عصاه وطغى وأفسد؛ يرقب أعمال العباد ويحصيها عليهم ثم يجازيهم بها، لا يفوته منهم أحد ولا يعجزه هارب. والمرصاد في اللسان: الموضع الذي يقعد فيه الراصد يترقب من يمر به. وقال جماعة من أهل التفسير: المعنى أنه سبحانه بحيث يرى ويسمع ويعلم فلا يخفى عليه شيء من أمرهم. وقال آخرون: المرصاد هنا كناية عن أن طريق العباد إليه لا محيد لهم عنه؛ فهم صائرون إليه لا محالة. وأشار القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية إلى أن هذه الآية تعليل لما مضى من إهلاك الأمم وتحذير لمن بعدهم؛ فهي جامعة بين الماضي والمستقبل. ومذهب أهل السنة في مثل هذه الآيات إمرارها على ظاهرها اللائق بجلال الله من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية مفصل السورة وعمودها؛ فهي تنظر إلى ما قبلها وما بعدها معاً. تنظر إلى ما قبلها فتكون تعليلاً لإهلاك عاد وثمود وفرعون؛ أي إنما أُخذوا لأن ربك بالمرصاد لا يفوته ظالم. وتنظر إلى ما بعدها فتكون تمهيداً لمحاسبة الأفراد في المقطع التالي؛ إذ ينتقل الخطاب من الأمم إلى النفس الواحدة: {فَأَمَّا الْإِنسَانُ}. وقد ذهب طائفة من المفسرين إلى أنها جواب القسم المتقدم في أول السورة؛ فتكون بذلك مركز الثقل في بناء السورة كلها؛ وهو وجه قوي يجعل الآيات بينهما اعتراضاً مسوقاً للاستدلال.