كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا
كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا
{كَلَّا} ردع ثانٍ؛ أي ارتدعوا عما أنتم عليه من هذه الخصال. ثم انتقل السياق نقلة مباغتة من صخب الدنيا إلى مشهد القيامة. والمعنى: إذا زُلزلت الأرض وحُرّكت ورُجّت ودُقّت حتى تُسوّى ولا يبقى عليها بناء ولا جبل؛ يقال: دككت الأرض إذا سويتها. وفسر أهل التفسير {دَكًّا دَكًّا} بأنه التكرار في الدك مرة بعد مرة حتى تصير هباءً منبثاً؛ ويشهد له قوله تعالى: {وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} في مقام آخر، وقوله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا}. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن هذا المشهد جاء في مقابلة ما كانوا فيه من التكالب على الأرض وما فيها من مال وتراث؛ فيرون الأرض التي تنازعوا عليها وقد سُوّيت.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية مفتتح المقطع الرابع؛ وهو مشهد القيامة. وموقعها من النظم موقع الجواب العملي على كل ما تقدم: فقد ذُكر الطغاة وأُهلكوا، وذُكر الإنسان وميزانه الفاسد؛ فبقي أن يُعرض المشهد الذي ينكشف فيه الميزان الحق. والانتقال المباغت من {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} إلى {إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ} من أعظم ما في السورة أثراً؛ إذ لم يمهد له بمقدمة، بل جاء بعد ذكر المال مباشرة؛ فكأن السامع نُقل من مجلس القسمة إلى ساحة الحشر في لحظة واحدة.