وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ
وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): هذا النموذج الثاني من نماذج الطغيان. وثمود قبيلة عربية بائدة، كانت مساكنهم بالحِجر بين الحجاز والشام، وهم قوم صالح عليه السلام، عقروا الناقة فأخذتهم الصيحة والرجفة. ومعنى {جَابُوا الصَّخْرَ}: قطعوه ونحتوه وخرقوه؛ فكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً فارهين كما قال تعالى: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ}، وقال: {وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ}. و{بِالْوَادِ} أي بوادي القرى على قول أكثر المفسرين؛ وهو الوادي الذي كانت فيه ديارهم. وقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ لما مرّ بالحِجر ديار ثمود في غزوة تبوك قال: «لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ، إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ»، ثم تقنّع بردائه وأسرع السير؛ أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب أحاديث الأنبياء، ومسلم في صحيحه في باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل السياق من قوة الأبدان في عاد إلى قوة الصنعة في ثمود؛ وهو تدرج في أنواع القدرة البشرية. وقد اقتصر في وصف ثمود على آية واحدة بعد أن أُطنب في وصف عاد بآيتين؛ لأن عاداً هي المبتدأ الذي يُقاس عليه، ولأن وصف ثمود بجوب الصخر كافٍ في الدلالة على مبلغ حضارتهم. وفي جمع النموذجين إشارة إلى أن القوة سواء كانت في الجسم أو في الصنعة لا تعصم؛ ثم يأتي فرعون ليكمل الثالوث بقوة السلطان. ومن دقة النظم أن الفاصلة في الآيات الثلاث ({الْعِمَادِ}، {الْبِلَادِ}، {بِالْوَادِ}) جارية على نسق واحد يشد المقطع شداً محكماً.