كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ
كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ
{كَلَّا} كلمة ردع وزجر؛ ردّ الله بها على الظنين المذكورين معاً؛ أي: ليس الأمر كما ظننتم، فليست السعة كرامة ولا الضيق إهانة. ثم أضرب إلى بيان الحقيقة العملية التي ينبغي أن يُنظر فيها: {بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ}؛ أي: بل الشأن أنكم لا تكرمون اليتيم ولا تحسنون إليه ولا تراعون ضعفه. وذهب المفسرون إلى أن معنى الإكرام هنا: الإحسان إليه بالبر والعطف وحفظ ماله وحسن التربية، لا مجرد الإطعام. وقُرئ الفعل بالتاء على الخطاب وهي قراءة الجمهور، وقُرئ بالياء على الغيبة في قراءة أخرى ثابتة. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآيات أن الله انتقل من الرد على الظن الباطل إلى ذكر الأعمال التي هي مناط الكرامة الحقيقية؛ فبيّن أن العيب في العمل لا في الرزق.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): موقع {كَلَّا} من النظم موقع الفصل الحاسم بين دعوى وحقيقة؛ فبعد أن حكى القرآن ظن الإنسان في حالي السعة والضيق، ردعه بكلمة واحدة قاطعة لا تحتمل مراجعة. ثم جاء الإضراب بـ{بَل} لينقل النظر من دائرة الظن إلى دائرة العمل؛ وكأن المعنى: دعوا الجدل في تفسير الرزق، وانظروا فيما تصنعون بمن حولكم. ومن دقة النظم أن العلامات الأربع المذكورة بعد {بَل} تدور كلها على المال: منع اليتيم، وترك الحض على طعام المسكين، وأكل التراث، وحب المال؛ فناسبت المقطع الذي دار على العطاء والمنع أتم مناسبة.