وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا
وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا
هذا تمام المشهد؛ والمعنى: وجاء ربك سبحانه لفصل القضاء بين عباده، وجاءت الملائكة صفوفاً صفاً بعد صف. ومذهب أهل السنة والجماعة في هذه الآية ونظائرها إثبات المجيء لله سبحانه على الوجه اللائق بجلاله وعظمته، من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل؛ فيُقال: يجيء مجيئاً يليق به لا يشبه مجيء المخلوقين، كما قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}. وذهب طائفة من أهل العلم إلى تقدير مضاف؛ أي وجاء أمر ربك أو قضاؤه. والمذهب الأول هو طريقة السلف وأئمة الحديث؛ وهو إمرار النص كما جاء مع نفي مشابهة الخلق. وأما {الْمَلَكُ} فاسم جنس أُريد به الجمع؛ أي الملائكة؛ ويشهد له قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا}. وقرر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن مجيء الملائكة صفوفاً هو غاية ما يُتصور من الجلال والهيبة في مقام الفصل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تدرج المشهد تدرجاً محكماً في ثلاث آيات: تسوية الأرض أولاً، ثم مجيء الرب والملائكة ثانياً، ثم الإتيان بجهنم ثالثاً. فبدأ بتهيئة المكان، ثم بحضور الحاكم وأعوانه، ثم بإحضار آلة العقوبة؛ وهو ترتيب مجلس القضاء في أتم صوره وأهيبها. ثم إن إضافة الرب إلى ضمير النبي ﷺ {رَبُّكَ} تكررت في هذه السورة مراراً: {فَعَلَ رَبُّكَ}، {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ}، {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}، {وَجَاءَ رَبُّكَ}؛ فصارت هذه الإضافة خيطاً ناظماً يجري في السورة كلها؛ وفيها تسلية للنبي ﷺ وتثبيت له في مقابلة تكذيب قومه.