وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ
وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ
هذه العلامة الثانية؛ والمعنى: ولا يحض بعضكم بعضاً على إطعام المسكين والقيام بحقه؛ فلم تكتفوا بترك الإطعام حتى تركتم الحث عليه والتواصي به. والمِسكين عند أهل التفسير: من أسكنته الحاجة وأذلته فلا يجد ما يكفيه. وقد وردت القراءة بصيغ متعددة في هذا الفعل: {تَحَاضُّونَ} بالألف وهي قراءة الجمهور وتفيد المفاعلة بين اثنين فأكثر، وقُرئ {تحُضّون} بغير ألف وهي تفيد الحث المجرد؛ وكلتاهما ثابتة، والمعنى بينهما متكامل. وقرر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن ذكر الحض بعد الإكرام يفيد أن المطلوب من المسلم عمل يتعدى نفسه إلى غيره؛ فلا يكفيه صلاح خاصته.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تدرجت العلامات الأربع تدرجاً بديعاً من الأخف إلى الأثقل: بدأ بترك إكرام اليتيم وهو ترك إحسان، ثم بترك الحض على طعام المسكين وهو ترك تعاون، ثم بأكل التراث وهو أخذ ما ليس بحق، ثم بحب المال حباً جماً وهو الأصل الباعث على الجميع. فالترتيب ينحدر من ترك الخير إلى فعل الشر ثم يرتقي إلى كشف الجذر. ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة؛ فإن اليتيم فقد من ينفق عليه، والمسكين فقد ما ينفقه؛ فاجتمع في الآيتين صنفا الضعف: ضعف الفقد وضعف العجز.