وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ
وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ
هذا هو المقسم به الرابع والأخير. ومعنى {يَسْرِ} عند جمهور المفسرين: يسير ويمضي ويذهب؛ من «السُّرى» وهو سير الليل. وذهب طائفة إلى أن المعنى: يُسرى فيه؛ فأُسند الفعل إلى الليل مجازاً وهو لأهله كما يقال «ليل نائم» أي يُنام فيه، و«نهار صائم» أي يُصام فيه. وقال آخرون: المراد ليلة المزدلفة خاصة؛ لأن الحجيج يسيرون فيها من عرفة، ويناسبه ما سبق من القسم بأزمنة الحج ومشاهده. والمعنى الأول هو المشهور المختار عند المحققين؛ لأن السياق سياق ذكر الأزمنة المتحولة الشاهدة على انقضاء الدنيا. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن القسم بالليل حال سراه أدل على المقصود من القسم به مطلقاً؛ لأن المقصود الاستدلال بانقضائه لا بمجرد وجوده.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): خُتمت الأقسام الأربعة بالليل حال ذهابه لا حال إقباله؛ فتمّت بذلك دورة كاملة: بدأ بالفجر وهو مطلع النور، وانتهى بالليل وهو منصرف الظلمة. وهذا الترتيب الدائري يخدم مقصد السورة خدمة مباشرة؛ إذ يقرر أن كل حال في هذا الكون في طريقه إلى الزوال، وأن الثبات ليس من طبيعة شيء مما نراه. فمن أراد أن يعرف مصير دولة عاد وثمود وفرعون فلينظر في مصير الليل الذي يمشي ولا يقف. ثم إن هذا التدرج يمهد للاستفهام في الآية التالية؛ فإن السامع بعد استعراض أربعة أقسام يُسأل: أفي هذا كفاية لمن له عقل؟