فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ
فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ
هذا بيان لشدة العذاب في ذلك اليوم؛ والمعنى على قراءة الجمهور بكسر الذال: فيومئذ لا يعذب أحد من الخلق مثل عذاب الله؛ فليس في عقوبات الدنيا كلها ما يقارب عقوبته سبحانه في شدتها ودوامها. وقُرئ {لَّا يُعَذَّبُ} بفتح الذال مبنياً للمفعول في قراءة متواترة ثابتة، والمعنى عليها: لا يُعذَّب أحدٌ مثل عذاب ذلك الطاغية المذكور في السورة؛ فيكون الضمير في {عَذَابَهُ} عائداً على الإنسان الكافر لا على الله. والقراءتان صحيحتان متواترتان، وكل واحدة تفيد معنى صحيحاً؛ وهذا من ثراء القرآن في اجتماع معنيين تحت لفظ واحد. وقرر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن على القراءة الأولى يكون المقصود تعظيم عذاب الله، وعلى الثانية يكون المقصود تعظيم ما ينزل بذلك الطاغي؛ وكلاهما داخل في مقصود السورة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية عقب ذكر الحسرة والتمني؛ فبعد أن صوّر القرآن ندم الإنسان انتقل إلى تصوير ما يلقاه؛ فترتب المشهد ترتيباً نفسياً محكماً: رؤية، فتذكر، فحسرة، فعذاب. ثم إن موقعها من السورة كلها موقع الجواب الأخير على ما ادّعاه الإنسان أول المقطع الثالث؛ فقد ظن أن الكرامة في المال، فتبين أن الكرامة الحقيقية في النجاة من هذا العذاب. ومن دقة النظم أن هذه الآية والتي بعدها آخر آيتين في مقطع الوعيد، ويليهما مباشرة أرق آيات الوعد؛ فكان الانتقال المباغت من أشد القسوة إلى أرقّ الرحمة أبلغ في تحريك القلب.